عن أدب الاختلاف وخطاب الكراهية

480لم أجد في نفسي رغبة للتعليق على العبارات المثيرة التي قالتها الاستاذة اشراقة سيد الوزيرة السابقة والقيادية بالحزب الاتحادي الديمقراطي الذي كان يتولى أمانته العامة الدكتور جلال الدقير قبل أن يعلن استقالته ويغادر البلاد مغاضبا ، اشراقة وفي حمية صراعها الحزبي وصفت دكتور جلال بأنه (رئيس عصابة وفرعون) ، كما تحدت زميلها الآخر القيادي بالحزب ووزير الاعلام الدكتور احمد بلال قائلة له (لو راجل واجهنا اليوم) ، ولكني أجد أن هذه العبارات الجارحة تصلح أن تكون مدخلا للحديث عن أدب الاختلاف والبعد عن خطاب الكراهية الذي شد ما تحتاجه بلادنا من أجل ترقية وتنقية الحوار السياسي من الأوشاب اللفظية والاستفزاز والتحرش اللفظي والتنابذ بالألقاب وإصحاح بيئة الاختلاف من الحسك والقشف ولغة (الرمتالة)، خاصة اذا صدرت من النخب والقيادات التي يفترض أنها هي التي تقدم القدوة والمثال للآخرين من عامة الشعب ،باعتبار أن ذلك هو أول عتبات التعافي الوطني، فمثل هذا الخطاب مكروه في كل الاحوال، وبالأخص في حالة التباعد والاختلاف، فالحاجة ماسة وملحة الآن أكثر من أي وقت مضى لأن يتركز الصراع على أمهات القضايا والبعد عن الشتائم والسباب والتحدي ،فالمرحلة الدقيقة الحالية تتطلب خطاباً دقيقاً يوزن بميزان الذهب بل قل بميزان بيض النمل، فلا أقل علينا اليوم من أن نصد عن كل قول نابئ وشتيمة مقذعة وكتابة موغلة في وحل القبلية والعنصرية وغارقة حتى أخمص أقلامها وحناجرها في التهويش والتهميش والزراية بالآخر وازدرائه من هنا أو هناك، وهذه مطلوبات واستحقاقات تكون الحاجة لها أكثر في ظل الاوضاع الهشة رغم أنها مطلوبة على الدوام، إذ لا يستقيم منطقاً وعقلاً وعدلاً أن يبقى ولو صوت واحد في أى جزء من هذا الوطن يجأر بخطاب الكراهية ، ولينظر أهل السودان جميعا بكل فسيفسائهم فيما حولهم إن كانوا حقاً يؤمنون بالتراضي والتعافي الوطني الذي لن يتحقق مطلقا بطريقة اشتمك واشتمني فالقاعدة الذهبية تقول كل سخرية تقابلها سخرية أخرى مساوية لها في المقدار ومضادة لها في الاتجاه،
ولنا في سلفنا السياسي قدوة قمين بنا التأسي بها تشهد عليها مضابط الجمعية التأسيسية خلال سني الستينيات وما قبلها ، فقد حفلت تلك المضابط بأدبيات رائعة وراقية في السجال السياسي، وكلمات أنيقة ونكات ذكية يتم تداولها في صلب الجدال والحوار بين التيارات السياسية المختلفة، ثم ما لبث الحال يتدهور ويتدنى حتى بلغ مرحلة التنابذ بالألقاب الفاشية الآن ..