علاقات الخرطوم وواشنطن.. تعقيدات سبقت مجئ الإنقاذ

أمجد جمال محمد

أمجد جمال محمد

مرت العلاقات بين السودان والولايات المتحدة الامريكية منذ اكثر من اربعين عاما بمراحل متعددة وشابها نوع من التعقيد والتشابك حيث كانت السياسة الامريكية تجاه السودان في حالة تأرجح وتذبذب.
شكلت هذه العلاقة معضلة لكثير من المراقبين الذين لم يراهنوا كثيرا علي تحسن العلاقة معتمدين علي عدد من الشواهد والقرائن التي سريعاً ما تلاشت، وشكل خروج العلاقة من نفق الاستعداء خذلانا لقراءاتهم وبعثرة لاوراقهم.
الخلل في العلاقة ليس وليد اللحظة او نتيجة الوضع الحالي او بسبب الصراعات والخلافات الراهنة، ولم يكن مرتبطا باي حال من الاحوال بقدوم حكومة الانقاذ الي سدة الحكم، فالمتابع عن كثب لسير العلاقة يدرك بان الازمة سابقة باعوام بل وعقود لقدوم الانقاذ الي الحكم.
ويمكن بصعوبة بالغة « تأريخ « جانب من تلك العلاقة باعلان الرئيس الاسبق جعفر نميري لقوانين سبتمبر الشهيرة واعلانه تطبيق الشريعة الاسلامية في البلاد، بالرغم من وصول العلاقة بين الخرطوم وواشنطون في تلك الايام الي احسن حالاتها من خلال المحور « المصري ـ السوداني ـ الامريكي « بل ان الخرطوم كانت في ذلك الوقت العاصمة العربية الوحيدة التي وقفت بجوار الرئيس انور السادات وآزرته ودعمت كافة تحركاته وجهود لتوقيع اتفاقية سلام « كامب ديفيد» بين مصر واسرائيل وابقت علاقاتها منتظمة وحية ووطدت من خلفها تفاهماتها مع واشنطون واستمر التعاون في شتي المجالات دون عائق او معيق قبل ان « يتورط « نميري في حشد العداء الامريكي عليه.
وفشلت مساعي الادارة الامريكية في اثناء نميري عن رأيه وتغير وجهته بالغاء قرار تطبيق الشريعة، وجاء لقاؤه بنائب الرئيس الامريكي انذاك جورج بوش الاب ليضع النقاط علي الحروف الا انه جاء متأخراً بعض الشيء لذلك لم تعارض امريكا سقوط حكومة نميري – وان كانت لم تسع اليه – حسب مراقبين كثر تابعوا تلك المرحلة ، بالرغم من امتثال الرئيس نميري « لنصائح ومواعظ بوش الاب وتهديداته المقنعة « الا انها جاءت بعد فوات الاون ، ومن وقتها شهدت العلاقة توترا مضاعفا سيما بعد وصول حكومة السيد الصادق المهدي في ظل سياساته المعادية للولايات المتحدة الامريكية ودخوله في محور لم ترض عنه واشنطن وتشكيله لحلف ثلاثي ضم بجانبه كلا من ايران الخميني وليبيا القذافي ، ليتحول الصراع بين الطرفين وينتقل الي المحيط الاقليمي.
بعد سقوط نميري مباشرةً سعت واشنطن للتوصل لتفاهمات واضحة المعالم مع المجلس العسكري الانتقالي واعدةً بدعمه وتأييده في حال استمر في ادارة البلاد، الا ان المشير عبد الرحمن سوار الذهب رفض كل تلك التفاهمات والعروض لتستمر العلاقة الامريكية- السودانية في مرحلة التأزم والخلاف الذي استمر طيلة بقاء الحكومة الديمقراطية ، وتحمل نظام الانقاذ تبعات هذا السوء التي زادت بسبب عدم رضاء الولايات المتحدة عن سياساته وبرامجه التي انتهجها في بداية حكمه والصبغة الاسلامية التي ميزته عن الحكومات السابقة.
مرت العلاقة في هذه الفترة بعدة مراحل من العداء بداية بدعم المعارضة السودانية ممثلة في التجمع الوطني الديمقراطي الذي اجتمعت قياداته بوزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت في كمبالا وتلقت منها دعما سياسياً وعسكرياً ومادياً ، واصدرت الولايات المتحدة قرارا بفرض عقوبات ضد السودان في مجلس الامن الدولي في يناير 1996م، وجاء العدوان الامريكي الجوي علي مصنع الشفاء عام 1997م ، ثم صعدت الولايات المتحدة الامريكية من ازمتها ضد السودان عبر سلسلة من الاجراءات بأصدار قرار بفرض عقوبات أمريكية ضد السودان شملت فرض حظر اقتصادي كامل بسبب زعم دعمه للارهاب الدولي ومحاولته زعزعة استقرار الدول المجاورة.
ونص القرار علي تجميد كل ممتلكات الدولة السودانية في الولايات المتحدة الامريكية وحظر ارسال التقنية الامريكية الحديثة والسلع الي السودان وشمل الحظر حوالي 70 شركة سودانية منها البنوك الحكومية وفروعها داخل الولايات المتحدة، في المقابل سعت الحكومة السودانية الي تغيير خطابها وتعديل صورتها وتحسين علاقاتها مع دول الجوار واستعادت بريقها ودورها واراضيها لتفتح امامها كثير من الابواب المغلقة.
في ظل فشل السياسة الامريكية في السودان بشكل خاص وفي المنطقة العربية والافريقية بشكل عام ، عمدت الادارة الجمهورية التي دخلت البيت الابيض مطلع الالفية الثالثة الي تغيير الكثير من السياسات الخاطئة وتدخلت في محاولة التوصل لاتفاق سلام شامل في السودان وغيرت وعيدها بالحظر والحصار بوعود جادة بتحسين العلاقة ورفع السودان من قوائم الارهاب والغاء الحظر الاقتصادي في حال تم التوصل لسلام، بل انها نجحت وبدرجة كبيرة في مساعدة الاطراف ودفعهما الي التوصل لاتفاق سلام السودان الذي وقع  بنيفاشا في يناير 2005م. الا ان وعودها ذهبت ادراج الرياح وربطت من جديد إعادة العلاقة بالتوصل لسلام عاجل هذه المرة في دارفور!! لتسحب معها الحكومة لابوجا وشاركت الادارة الامريكية بمسئوليين بارزين في المفاوضات كان علي رأسهم مساعد وزيرة الخارجية روبرت زوليك بجانب وسطاء الاتحاد الافريقي الراعي الرسمي لجهود السلام في دارفور ، وتحدث زوليك علانية بان الاتفاق الحالي نهائي ومرضي لكافة الاطراف متوعدا الرافضين بعقوبات عنيفة في غضون شهر. الا ان الاحوال تغيرت وتبدلت من جديد في ظل مواقف واشنطون المزاجية ورأيها الصارخ في امر القوات الدولية واصرارها الشديد علي دخول قوات دولية الي الاقليم بدلا من قوات الاتحاد الافريقي في موقف لايمكن ان يفهم سوى انه حالة من العداء المعلن للحكومة السودانية التي التزمت بكثير من الوعود التي قطعتها في هذا الاطار. وشكل هذا الموقف فاصلا رئيسيا في العلاقة بين الخرطوم وواشنطون ويمكن ان يؤرخ لها بانها كانت بمثابة مرحلة مفصلية في العلاقة .
بدأ التعاون بين البلدين اولاً بسقوط القرار الدولي 1706 والتوصل لتفاهم جديد في التعاطي بين الطرفين بعيداً عن سياسات العنف والتهديد. واظهر السودان حسن النوايا حيث لعب دورا محوريا مهما في مكافحة الارهاب في القارة الافريقية بالتعاون مع الولايات المتحدة وبمشاركة بعض دول الجوار مثل ليبيا ومصر وتشاد وافريقيا الوسطي، وايضا جهود السودان في محاربة الجريمة المنظمة وخصوصا تهريب تجارة البشر و الهجرة غير الشرعية التي اصبحت تمثل مهددا أمنيا للولايات المتحدة و لاوروبا عموما.
ايضا جهود السودان في احلال السلام الداخلي واعلان منطقة دارفور خالية من التمرد، و سعي الحكومة السودانية في حفظ استقرار امن دولة جنوب السودان وحفظ الامن في دول الجوار الافريقي «مصر- ليبيا ـ اثيوبيا».
الان وبعد عشرين عاماً من العزلة والحصار قررت الولايات المتحدة الامريكية فى خطوة شجاعة ومفاجئة رفع الحصار الاقتصادى عن السودان، ووجد هذا القرار الذى جاء بعد مجهودات مضنية على المستويين السياسى والدبلوماسى ترحيباً واسعاً من قبل المواطنين باعتبارهم المتضرر الاول جراء هذا الحصار الظالم، فالمواطن هو الاكثر تضررا من العقوبات التى فرضت على البلاد واثرت بشكل مباشر على معيشته، فقد كان لهذا الحصار تأثيرات مباشرة على الاقتصاد ومسار الصادرات والواردات السودانية، ومن المتوقع ان يستعيد الاقتصاد السودانى عافيته بعد اعادة الادارة الامريكية صياغة علاقاتها مع السودان واتجاها نحو تحقيق مصالح البلدين.