السودان: مذبحة الرعاة تستحث «غضبة الحليم»

سيف الدين البشير

سيف الدين البشير

عقارب الساعة تشير للثانية من صباح الجمعة العاشر من فبراير الجاري .. ومع أنفاس الفجر كان الرعاة بمنطقة «الحجيرات» الواقعة على بعد 15 كلم من كادقلي عاصمة جنوب كردفان المتاخمة لدولة جنوب السودان يستفيقون استعداداً لليوم المبارك .. أما الحركة الشعبية قطاع الشمال فقد أعدت العدة سلفاً لقتلٍ دافعه من الطقوسية مباغضة الفجر المهيب ، وغايته طمع المغنم .
وفي هوجة الضحكات المستهترة بحرمة الإنسان وقيم الإنسانية انطلقت الذخائر نحو صدور العزَّل فيما كان العرمان وقبيله ينتظرون إشارةً تمام المهمة القذرة .. تمت تصفية الرعاة وبلغت غنيمة الشر سبعة من قطعان الماشية ، بعد أن لم يعد أمام الحركات العبثية سوى استهداف العزل وقد افتقدت القدرة على منازلة قوات الدعم السريع التي تعقبت فلولهم حتى تحامت بحكومة الجنوب المعلولة..
والقتل هو القتل .. ذات الجريمة التي تبغضها وتدينها كل الشرائع ؛ بيد أن أكثره بشاعةً هو القتل الطقوسي ، ومثل ذلك ما يفعله مثلث عرمان – عقار – الحلو ، تحت مسمى «الحركة الشعبية قطاع الشمال» ، أي مجزوء الحركة الشعبية التي ما تزال تثخن الجنوب بويلات حروبها. والقتل الطقوسي قد يرافقه العنف والتشفي ، ومثله ما يحدث أثناء احتفاء الضحية بحدث سعيد ، أو استقباله ليوم له دلالته المرتبطة بقيمه .. وعند كافة المسلمين فليس أعمق دلالةً من فجر الجمعة سيد الأسحار الذي يتنفسون خلاله سورة الكهف .. وليس أكثر ملاءمة منه لمجزرةٍ وقودها حقد غلاة الشيوعيين على بلادٍ لم تتح متسعاً لسيادة الفكر المنبت .
وأمام مشرحة كادقلي تدافعت الجموع ظهر الجمعة بصدورٍ مواراةٍ بالغضب الرشيد تشيع قائمة أخرى من الأبرياء .
ومثل ذلك يحدث في دولة جنوب السودان حيث تسهم حركات الإرهاب في دعم الأطراف المتقاتلة بمعزلٍ عن بوصلةٍ تحدد أي ملمح لأهدافٍ موضوعيةٍ .
ولم تعد القناعة بأن الاستقرار الإقليمي ومن ثم العالمي يحتم محاصرة هؤلاء إقليمياً وحسب ، بل أن العالم اكتشف ضلال الحركات ، وعبَّر عن تبرمه من التمادي في دعمها بل وحتى ملاطفتها .. ورغم أن تلك المجموعات مُكِّنَت من وسائل الإعلام الغربية ونالت من الدعم ما هو كفيلٌ بزوال دولٍ ، ألا أن جيش السودان الأكثر تماسكاً وتنظيماً والتزاماً وطنياً ، أبطل مفعول وابل الدعم لينقلب السحر على الساحر ويدرك العالم أن برق العرمان وقبيله محض خُلَّبٍ ، وأن شعاراتهم جهام .. أدرك العالم كله ذلك إلا أن حكومة الجنوب المثخنة بويلاتها لم ترعو وما يزال جنرالاتها وهم يقتتلون يأوون ويدعمون تلك الحركات .. أدرك العالم مغبة التمادي مبلغ أن أصدرت الخارجية الأميركية بيانها الشهير بتأريخ 20 اكتوبر 2016 الذي يطالب حكومة الجنوب بالتخلي عن إيواء أو دعم تلك الجماعات .. ويؤكد البيان أن «حكومة الجنوب تؤوي وتدعم المعارضة السودانية المسلحة» .. ثم يبلغ البيان مداه وهو يطالب «حكومة الجنوب إما بطرد تلك الحركات من الجنوب أو نزع سلاحها ووضعها داخل معسكرات» ..
إذن من يلوم السودان إن مضى جيشه غداً يتعقب تلك الحركات داخل الجنوب يقطع دابرهم لحماية أمنه الوطني ؟ .. من يلوم السودان إن طالب الاتحاد الأوروبي وكل دول العالم الأخرى بعدم استقبال قادة الحركات تحت أية ذريعةٍ ، وطالب فرنسا غداً بطرد عبد الواحد وإلا فهو في حلٍّ من أية مواثيق ذات علاقةٍ بأمنهم الوطني ؟ ..
وهو ماضٍ في إنفاذ اصطلاحه الوطني ، فلن يحول بين السودان وبين ما ذكرنا إلا أن ينتهي هؤلاء .. وإلا فإن السودان معدٌّ تماماً لابتدار مواسم الردع المغلظ .. أما العملية على الأرض فسمها عملية «غضبة الحليم» إن شئت ، أو فلنقل «الغضب الرشيد»