هبوط اضطراري للأغنية السودانية

مسارات

مسارات

الواقع الاجتماعي ليس منفصلا عن الواقع الاقتصادي والسياسي ، وربما كان الواقع الاجتماعي هو نتاج للسياسات الاقتصادية والسياسية أو من أولى ضحايا تلك السياسات ، ان لم تكن بذلك الرشد الذي يضفي الى الهدف المنشود منها ، او تصحيحا لمسار معوج كان سائدا من قبل ،بغض النظر عن مكانته او حقبته السياسية ، وقد تبدو حالة الاشفاق والخوف من بعض الظواهر الاجتماعية التي تطفو الى السطح من حين الى آخر ،هي ليس حالة عابرة، او عارضة ، كما تقول التشخيصات او النتائج المعملية لبعض الفحوصات ان كانت طبية او في أي مجال آخر، ولكن يبدو ان تشخيص ظواهر المجتمع ، تثير حالة من القلق او الخوف المبطن ، خاصة ان كانت تلك الظواهر خرجت من مألوف حالة الخروج الطبيعية التي تسمى نشازا او حالة غريبة ، عند مجتمعات محافظة ، ودائما ما تتوقف عندها مجالس المدينة او تجمعات الافراح والاتراح والملاعب الرياضية تناولا متعدد الإتجاهات والمشارب ، ويأخذ شكله او تفسيراته من طبيعة المجتمع الذي تناقش فيه الظاهرة .
والمجتمع هو أكثر تأثيرا وتفاعلا بما يحيط به او يستهدفه مباشرة كلاعلام او حتى الحملات الاعلامية التي تستهدف الترويج او تغيير مفاهيم سائدة في مجتمع ما ، كعمليات الارشاد التي كانت تستهدف المزارعين كما كانت في مشروع الجزيرة او حملات رفع الوعي الصحي عند المجتمعات التي تكثر فيها ممارسات العادات الضارة ، ومن هنا كانت المجتمعات تستجيب بقدر تأثير هذه الحملة الإعلامية ، ومن هذا الواقع فان المجتمعات ليست في مأمن من أي تأثير حتى لو كان من داخل المجتمع نفسه ، الذي قد تحدث فيه تغييرات كبيرة تؤدي الى هذا التأثير ان كان إيجابا او سلبا ، حيث هذا الأمر مؤشر لجهات الاختصاص أكاديمية كانت او منظمات معنية بهذه الظاهرة او تقع قريبا من اهتماماتها ، او حتى المؤسسات الرسمية في الحكومة ، ومن تلك الجهات تخرج التفسيرات والتحليلات لهذه الظاهرة أصلها وأسبابها ودواعي انتشارها وتأثيراتها وكيفية معالجاتها من خلال نتائج وتوصيات كما تنتهي اي دراسة علمية او اكاديمية طلب من جهة متخصصة او مهتمة بدراستها او تحليلها وفق معايير علمية بغية الوصول الى موجهات تعين على الحلول ، ناجعة او جذرية لموضوع الدراسة .
والمجتمع السوداني تسللت اليه كثير من المفردات وأصحبت جزءا من الموروث الثقافي من كثر التداول وفي الأصل غير ذلك ومن تلك الكلمات ما يعرف بلغة الراندوك التي تصدر غالبا من الفاقد التربوي الذي يعمل في مواقع لها إختلاط كبير بالجمهور مثل مواقف المواصلات والرحلات الممتدة من وسط الخرطوم الى احيائها المختلفة تفرض هذه اللغة الصادرة من الكماسرة وبقية افراد هذا المجتمع من سواقين وكومسنجية ، فتصبح كلماتهم منتشرة بسبب اختلاطهم بالمجتمع من خلال رحلة المواصلات ، وتصبح تلك الكلمات كأنها جزء من الموروث الثقافي ، ومن تلك الكلمات المنتشرة مثل كلمة «ماسورة» وهي ان الموصوف بها غير جيد او لايستحق ماوصف به ، بل وان كلمات مثل هذه وجدت طريقها الى الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي مما زاد من انتشارها وسط المجتمعات التي تعتبر في مأمن مثل هذه الكلمات مثل الجامعات والكيانات السياسية والاندية الثقافية ، وهذا هو مكمن الخطر حيث ان مثل هذه الكلمات اخترقت مواقع حصينة مثل التي ذكرناها ، غير آبهة بمواصفات ومعايير تلك المجتمعات . ومثل هذه الكلمة التي ضربنا بها مثلا هنالك عشرات الكلمات التي أخذت تنتشر مثل انتشار النار في الهشيم او «المسكيت» في أراضي السودان الزراعية وهو ايضا غير آبه بالحملات والخطط والتصريحات من المسؤولين بازالته والقضاء عليه.
وتمثل الأغاني ذات الكلمات الركيكة او الموغلة في الشعبية واحدة من الظواهر التي يحتاج اهل الاختصاص والعلم للنظر فيها لانها اصبحت هي المعبر عن المجتمع والقضايا المختلفة من خلال انتشار هذه الأغاني بشكل يدعو للقلق والخوف ،
فالأغنية السودانية واحدة من أسس المشهد الثقافي السوداني الذي له هويته الفنية التي تشـكل جزءا لا يتجزأ من تشكيل الانتماءات القومية للمجتمع السوداني . وفي ذات الوقت تعكس ما يعتمل داخل الوطن من تفاعلات ذات اتجاهات مختلفة ومتوازنة مصورة الواقع المعاش ، وطارحة الرؤى التي تجيش في آفاقه ، من الصفات التي عبرت عنها الأغنية السودانية مثل الكرم والشجاعة والمروءة والغزل العفيف والوصف الممتاز لمحاسن المجتمع السوداني ، والأغنية السودانية لم تخرج من تلك الموروثات التي يتميز بها الشعب السوداني ،
ولكن شكل الهبوط المفاجيء في الاغنية السودانية وتدني كلماتها التي لازمتها مثل البساطة والمحلية والدارجية والابتعاد عن ما تميز به الأغنية السودانية وعرف عنها من خلال شعراء فحول واصحاب لغة رصينة وعميقة ولا تخلو من البلاغة و الرمزية ، والشعراء من العيار الثقيل امثال ادريس جماع وعمر البنا وابوصلاح والعبادي وعتيق وعبد الرحمن الريح مرورا بالسر قدور، وكامل عبد الماجد ، والصادق الياس ، والتجاني موسى وغيرهم .
والأغاني التي انتشرت بواسطة فنانين شباب اعتبرها البعض تعبيرا عن ظواهر مجتمعية او قضايا مجتمعية تبحث عن حلول ،مثل أغنية «راجل المرا» وكأن هذه الاغنية تعبر عن انتشار العنوسة وعزوف الشباب عن الزواج ، بالرغم من انتشار الزواج الفردي والجماعي واهتمام المنظمات الشبابية بهذا وقيام صناديق لدعم وتيسير الزواج الا ان انتشار اغنية مثل هذه ان تضرب بكل هذا الجهود المبذول في هذا الاتجاه عرض الحائط او كأنه غير موجود أصلا وقد تدخل أغاني مثل هذه في منظومة مضادة او تعبير بحالة فشل لازمت كل تلك المشروعات التي تبنت هذا النوع من العمل المجتمعي والذي كانت له نتائج إيجابية في استقرار كثير من الشباب واثمرت تلك المشروعات جيلا جديدا الان هم في عمر الشباب وداخل الجماعات ، خاصة في تلك المشروعات التي تقام سنويا ومنذ فترة طويلة مثل الزواج الجماعي في قرى كلي والصفر والابيضاب بمحلية المتمة بولاية نهر النيل ، ومثل هذه في كثير من قرى ومدن ولايات السودان المختلفة.
وهنالك الكثير من الاغاني التي وجدت رواجا وسط المجتمع مثل اغنية «سنتر الخرطوم» ، «واضربني بمسدسك»، و«قنبلة» و اخيرا «محاسن كبي حرجل» التي اضطر اتحاد المهن الموسيقية ان يستدعي مؤديها وصدر قرار بايقافه عاما كاملا عن الغناء كما جاء في بعض الصحف .
وأعتبر البعض ان تدني مستوى مفردات الاغاني يعود الى تدني مستوى التعليم والانتاج وتدني الجنيه السوداني مقابل الدولار ، بينما يرى آخرون ان لوسائل التواصل الاجتماعي ،ولغة الشات أثره الكبير في تدني مفردات الإغاني وانتشارها عبر الوسائط ،وبذلك لن تفلح اي حملات لاتحاد المهن الموسيقية في هذا الاتجاه مهما تكاثفت .لان الاغاني اصبحت تؤلف خارج لجان المصنفات الادبية وكذلك الالحان والاصوات المنشرة وغير مجازة تملأ الساحات وتسد كل فراغ يتركه مغن محترم، للوسائط دور الكبير في هذا التلوث السمعي ، والمعالجة يجب ان تتم بدراسات ونتائج وتوصيات ووسائل تنفيذ تضع الامر في مساره الصحيح .