الشركات الأميركية في الخرطوم ..من شيفرون إلى جنرال إلكتريك

ALSAHAFA-24-2-2017-20 ALSAHAFA-24-2-2017-18الخرطوم : محفوظ عابدين

لازالت الصورة الراسخة في كثير من الاذهان ان المسافة بين الخرطوم وواشنطون لن تقصر بالقدر الذي يسمح بعلاقة طبيعية بين البلدين ، والسبب الظاهر في هذا الاعتقاد ان واشنطون غير راضية تماما عن السودان وان كل الذي أقدمت عليه الولايات المتحدة تجاه السودان ماهو الا تعبير عن عدم الرضا الامريكي ،ولكن التطورات التي حدثت ببدء رفع الحظر الاقتصادي عن السودان كان مرحلة اولى تمهيدا لرفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للارهاب ، ورغم ان تاريخ العلاقات بين السودان وأمريكا ، لا يصل لمرحلة العداء الطويل الممتد ، ولا بهذه الدرجة من القسوة تجاه شعب اول من عرف من شعوب العالم هو الشعب الامريكي خلال الزيارة التي قام بها الرئيس ابراهيم عبود الى الولايات المتحدة الامريكية في عام 1961 واستقبله الرئيس الامريكي جون كيندي في المطار ، وكانت هذه الزيارة فتحا في العلاقات السودانية الامريكية وكانت واحدة من نتائج تلك الرحلة هما طريق (المعونة )في بحري وطريق الخرطوم مدني ، والمعونة التي اصبحت اسما لاهم شارع في الخرطوم بحري( شارع المعونة) هي المعونة الامريكية .

والرئيس ابراهيم عبود خلال زيارته لأمريكا قدم السودان في صورته الحقيقة التي أذهلت الامريكان في ذلك الوقت بمن فيهم الرئيس جون كنيدي ،والقصة كما جاءت مروية على لسان جاكلين زوجة الرئيس الامريكي ،فقد جاء في مذكراتها هذه الواقعة
قالت: ( عندما يأتينا رئيس من دول أفريقيا يجلس إليه جون كيندي، وبعد المقابلة المراسمية البروتوكولية يدفع الرئيس الأفريقي بورقة مطالب للرئيس الأمريكي، وبعدها يتم النقاش مباشرة في كيفية تلبية تلك المطالب، ولكن دهشنا عندما زار البيت الأبيض أحد قادة أفريقيا الجدد، وهو إبراهيم عبود رئيس السودان، فبعد المقابلة المراسمية البرتوكولية، تململ كيندي واعتدل في جلسته وتوتر وبدأ يحرك في يديه اليسرى واليمنى، كل ذلك في إنتظار ورقة المطالب المعهودة، لكنها لم تظهر ، وعندما يئس كنيدي وجه سؤالا مباشرا للرئيس عبود قائلا: أليس لديك ورقة مطالب، فقال له الرئيس عبود: لا ليس لدي ورقة مطالب، وإنما جئت إلى هنا لأقدم لأمريكا وليس لآخذ منها، جئت هنا سيادة الرئيس طالبا صداقتكم فقط، وبلدي كفيل بأن يدعم أمريكا في شتى المجالات.).
ذكرت جاكلين بأن الرئيس الأمريكي جون كينيدي وبعد يوم فقط من مقابلة الرئيس عبود جمع عددا من معاونيه وطلب منهم أن يزودوه بتقرير كامل عن البلد الذي يسمى السودان، وبالفعل تم تجهيز تقرير كامل متكامل عن السودان موقعه مستقبله إمكانياته ..ألخ.
وفي أقرب جلسة للكونغرس الأمريكي خاطب أعضاءه قائلا : وكانت خريطة السودان تعرض في الجلسة ، هل تعرفون هذا البلد؟ تعرف عليه نذر قليل من النواب، فقال لهم : أني أخاف عليكم من هذا البلد وليس الإتحاد السوفيتي أو الصين اوكوبا .
وهذه الواقعة ربما يشير الى صحتها ذلك المخطط الامريكي وفق مراكز الدراسات الامريكية الى تفسيم السودان الى خمس دويلات ،والا يكون السودان خطرا على الولايات المتحدة ان استمر بذات الحجم وذات الموارد ، ويبدو ان تجربة انفصال الجنوب وما لازمها من فشل كبير للنظرة الامريكية قد جعل الولايات المتحدة الامريكية تعيد النظر في تقسيم السودان الى دويلات ، وجاء رفع العقوبات نتيجة لقراءة جديدة في سياسة الولايات المتحدة الامريكية تجاه السودان من خلال المصلحة الامريكية في المقام الاول ، ولهذا تهتم الولايات المتحدة بالبعد الاستراتيجي الأفريقي في هذه المرحلة وفي قلبه السودان جزء من قضية الطاقة التي تبحث عنها أمريكا دائمًا في شتى بقاع الأرض ، وخاضت من أجلها معارك عسكرية وسياسية ودبلوماسية بل وظفت المنظمات الدولية لتحقيق اهدافها ، حيث كانت عين أمريكا لا تنام عن النفط السوداني ودخول شركات أمريكية معروفة في هذا المجال مثل شركة شيفرون وشركة صن أويل منذ منتصف السبعينات وحتى منتصف الثمانينات بعد وضع ترتيباتهم المستقبلية لاستخدام النفط السوداني ،وخرجوا لاسباب استراتيجية وفق مخطط مرسوم وتعللوا بحجة المخاوف الامنية ، بعد ظهور حركة جون قرنق في عام 1983م والتي ربما كانت جزءا من سيناريو مرسوم ، وكل هذا العمل تم في عهد الرئيس جعفر نميري والذي زار الولايات المتحدة حوالي أربع زيارات فكانت الاولى سنة 1976 قابل الرئيس جيرالد فورد. بعد ان فشل الانقلاب الشيوعي ضده. وتحول من المعسكر الشرقي الى المعسكر الغربي.
الثانية سنة 1978: قابل الرئيس جيمى كارتر. بعد ان فشل غزو المعارضة السودانية المسلحة، بالتحالف مع الرئيس الليبي معمر القذافي.
والثالثة سنة 1983: قابل الرئيس رونالد ريقان. بعد ان زاد خطر القذافي، وارسل قواته الى تشاد، وهدد بغزو السودان.
الرابعة والاخيرة سنة 1985: قابل الرئيس ريغان مرة ثانية مع مظاهرات مارس والتي انتهت بثورة 6 ابريل 1985م في الخرطوم، ولم يستطع العودة الى السودان. ورجع الى مصر .
وكان يمكن لامريكا ان تلعب دورا في عودة الرئيس نميري الى الحكم ، خاصة اذا لاحظنا ان كل زيارات نميري لامريكا جاءت بعد احداث تهدد استقرار حكمه والقضاء على نظامه ، ولكن المصلحة السياسية تغلبت على المصلحة الاقتصادية أو هي جزء منها ، حيث خرجت الشركات الامريكية قبل عامين من سقوط النميري ، وذلك تمهيدا للعودة في حقبة سياسية جديدة ، ولكن تطورات الاحداث الدولية والاقليمية لم تمكن واشنطن من الالتفات الى السودان حسب ماهو مرسوم .
ورغم العقوبات الامريكية ضد السودان منذ عام 1997م ،التي استمرت في عهد أكثر من رئيس امريكي الا ان الاستثناء الذي كان حاضرا في تلك العقوبات ،هو استثناء الصمغ العربي وذلك لانه مرتبط بشركات كبرى في الولايات المتحدة مثل شركات الادوية والمشروبات الغازية وهذه الشركات هي من أكبر الداعمين للحزبين اللذين يتبادلان السلطة في أمريكا .
واليوم بعد رفع العقوبات الامريكية يمكن للشركات الامريكية ان تيمم وجهها شطر الخرطوم حيث يكون السودان ارضا مناسبة لانطلاقة الشركات الامريكية ، التي يدخل الصمغ العربي في أهتمامتها او التي لها مجالات اخرى مثل الشركات التي تهتم بإنتاج الطاقة ومايليها ، وبالفعل هاهي شركة جنرال إلكتريك الامريكية قد قابل مندوبها في الشرق الاوسط وزير الدولة بالاستثمار اسامة فيصل واكد رغبة الشركة الاستثمار في عدة مجالات بالتركيز على مجالات النفط والغاز والطاقة والتوليد وشبكات الكهرباء ، وهذه المجالات هي واحدة من الاهتمامات الامريكية في مجال اهتمامها بالطاقة لانها هي المحرك الاول لكل قوتها العسكرية والصناعية ، وشركة جنرال إلكتريك ، هي شركة صناعية وتكنولوجية أميركية ضخمة، يقع مقرها الحالي في مدينة فيرفيلد في ولاية كناتيكت الأميركية، وتعتبر ثاني أكبر شركة في العالم، ويعمل فيها أكثر من 300 ألف عامل. تأسست شركة جنرال إلكتريك في نيويورك في عام 1892، حيث أسسها العالم الأميركي المشهور توماس أديسون الذي اخترع المصباح الكهربائي والذي يعرفه كل أهل السودان من خلال المنهج الدراسي والثقافة العامة ، وتعتبر شركة جنرال إلكتريك هي ثاني أكبر شركة في العالم بعد إكسون موبيل، وتنتج الشركة المعدات الكهربائية، والإلكترونية، واللدائن، ومحركات الطائرات، ومعدات التصوير الطبي، والخدمات المالية.
وشركة بهذا التاريخ وهذا الانتاج في هذه المجالات الضخمة سيكون لها في السودان فتح خاصة وان الشركة تولي اولوية كبرى لافريقيا والسودان بطبيعة موارده في المياه وفي مناخه وشمسه مصدرا للطاقة الشمسية التي يمكن توظيفها في مشروعات تنموية كبرى ، بالاضافة الى حقول النفط واحتياطاته من الغاز والنفط التي يتمتع بها يمكن ان يكون مصدرا كبيرا للطاقة في العالم.