سيادةالشريعة في الدولة

من أهم الأسس والأصول في بناء أي دولة هو تحديد السلطة العليا في الدولة، التي تخضع لها جميع السلطات، ويسند إليها أمر إصدار الأحكام التكليفية العامة، فالحلال ما أحلته، والحرام ما حرمته، والواجب ما أوجبته ..الخ، وهو ما اصطلح علماء النظم والسياسة بتسميتها بـ: (السيادة)
ومصطلح السيادة وإن كان من المفاهيم الجديدة، والتي دخلت إلى بلاد المسلمين في الفترة الأخيرة، مع الغزو الفكري لبلاد المسلمين، إلا أنه من حيث الاستعمال لا غبار عليه، ما دام يعبر عما يقره الإسلام، الذي لم يغفل في تنظيمه للعلاقة بين الحكام والمحكومين أمر هذه السلطة العليا التي تتمتع بالسيادة المطلقة، وتتفرد بإصدار الحكم التكليفي على الأشياء والأفعال من وجوب، أوحِلٍّ أو حُرمة ، فجعل ذلك كله إلى (الشريعة الإسلامية)، التي تمثل ما جاء عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم من الأحكام.
وقد ظهر مصطلح السيادة أول ما ظهر في الغرب، معبرًا عن سلطة (الشعب)، الذي سعى الغربيون إلى جعل هذه السيادة بيده، بعد صراع مع السلطة الكنسية التي كانت تجعل السيادة لجهة مقدسة تستحل باسمها صنوف القهر والإذلال للشعب، فصارت الإرادة العليا الماضية لممثلي هذا الشعب، وليس لجهة أو لأحد كائنًا من كان، أن يتدخل في هذا السلطان المطلق بتقييد أو توجيه، فالواجب ما أوجبه، والمباح ما أباحه، والحرام ما حرمه، وبذلك فصل الغرب الدين عن الدولة، وخلع ربقة الدين في مجالات الحياة العامة.
وقد وُجد بين المسلمين -للأسف- فئة تنادي بمثل ما نادى به الغرب، من فصل الدين عن الدولة، وجعل السيادة للشعب، للوصول إلى الحكم الصالح بزعمهم!! وكان هؤلاء المخدوعون والمُستَغلُّون أفضل من خدم خصوم الإسلام من مستشرقين ومستغربين فأظهروا أقوالهم، ونشروها، واستدلوا بها، وطاروا بها يمينًا وشمالًا!!
وهذا الفهم لا يستقيم مع شريعة رب العالمين، وإن قدمها أتباع الغرب على أنها إسلام.. غازين بها عقول كثير من المفكرين، فالعقل الإنساني وحده لا يؤتمن على إصدار الأحكام، وخالق هذا العقل هو أدرى بما يُصلحه وما يُقوِّم اعوجاجه. كما أن الإسلام جعل للعقل متسعًا كبيرًا في الابتكار والابداع في ظل هذه السيادة للشرع ، وقد جاءت نصوص الإسلام في القرآن والسنة، مبينة أن الأمر والتشريع لله وحده، فمن لوازم التصديق بأن لا إله إلا الله: تصديق أن لا حكم إلا لله. ولا تشريع إلا تشريع الله، وهذه هي السيادة المطلقة في الإسلام، التي لم يمنحها الله عز وجل لهيئة من الهيئات، ولا لحزب من الأحزاب، ولا لبرلمان من البرلمانات.
ففي القرآن الكريم جاء النص بأن كل طاعة لغير الله ورسوله محدودة بطاعتهما، ونابعة منهما، وأن الردَّ في كل نزاع يجب أن يكون إلى الله ورسوله، أي: أحكام الشرع الواردة في القرآن والسنة، وذلك من لوازم الإيمان ، كما دلَّت الآيات القرآنية إلى أن التحاكم إلى غير الشرع هو تحاكم إلى الطاغوت، وهو كفر بالله رب العالمين، إذ إن كل قانون لا ينبثق من العقيدة الإسلامية هو طاغوت يجب الكفر به. وكل من يحكم بغير ما أنزل الله، معتقدًا عدم صلاحية الإسلام للحياة يُعد كافرا قطعا، لأن هذا خلل في عقيدتهوالدليل على ذلك قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)المائدة:44
. أما من حكم بغير ما أنزل الله، مع اعتقاده بأحقية الإسلام وأفضليته، فإنه يعد فاسقا والدليل على ذلك قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)المائدة:47 ، أو ظالما والدليل على ذلك قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)المائدة:45 ، لأن الخطأ في التطبيق وليس في الاعتقاد،كما أرشدت السنة إلى أن السيادة للشرع، قولًا وتطبيقًا، وأن كل ما ليس من الإسلام مما يخالف الشرع لا بد من رده، وإن اتخذته الدنيا كلها شرعا لها. وطاعة الحكام الواجبة في دين الله، والتي تُعد نوعًا من طاعة الله، محدودة بحدود الشرع هي أيضًا، فما خالفوا فيه الشرع فعصيانهم فيه واجب.
وظهر التطبيق لهذه السيادة عمليًّا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، الذي رفض الشفاعة في منع إقامة الحد على المرأة التي سرقت، وخطب الناس مبينًا قاعدة مفادها أن حدود الله لا يملك أحد تبديلها أو إلغاءها ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي صلحه مع قريش يوم الحديبية، حينما قَبِل شروطهم، إذعانًا للشرع، مع مخالفة الرأي العام المسلم لهذه الاتفاقية، ورأى الكثير منهم أنها مذلة للمسلمين، قائلا: (أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره ولن يضيِّعني) (رواه البخارى). فكان صلى الله عليه وسلم مطبقًا للإلتزام بأمر الله، وإن غابت عن البعض حكمته.
وهذا يثبت خطأ قول الأستاذ العقاد بأن للأمة حق تطبيق الأحكام أو وقفها، بما يتناسب وحالها، واستدلاله على ذلك بأن النبي أبطل الوصية للوارثين، في قوله صلى الله عليه وسلم (إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث)، بعد أن جاء القرآن الكريم: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) البقرة:180
فليس إبطال الوصية للوارثين اجتهادًا منه صلى الله عليه وسلم -كما يظن الأستاذ العقاد- إنما هو وحي من عند ربه، فالذي أمر -أولا – بالوصية للوالدين والأقربين، ونهى -ثانيا- عن الوصية للوارثين، هو الله سبحانه. والرسول صلى الله عليه وسلم، في ذلك ليس إلا مبلغا عن ربه.
وترك رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلفه، طائفة من الرجال الأطهار الأبرار، ساروا من بعده على هديه، واقتفوا أثره، مطبقين سيادة الشرع في جميع شؤون الحياة، لا يخرجون عن نص في كتاب أو سنة ، وأعظم دليل على ذلك ثبات الصديق في وجه من ارتد عن الإسلام، ومن أراد أن يأخذ ببعض الإسلام دون بعض، وقف يزمجر كالأسد: (قد انقطع الوحي وتم الدين، أينقص الدين وأنا حي؟!)، فثبَّت الله به الأمة، واقتدى به من بعده، ولهذا (قال أبو هريرة: والذي لا إله إلا هو، لولا أن أبا بكر استُخلف، ما عُبد الله. ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة…) .
وسار الخلفاء الراشدون بعد أبي بكر، على مثل ما سار عليه أبو بكر، فإن عرضت لهم حادثة بحثوا عن حكمها في كتاب الله وسنة رسوله قبل أن يجتهدوا في حلها ، ولهذا أجمع علماء الإسلام على أن الشرع صاحب السيادة المطلقة في الدولة، لم يخالف في ذلك أحد، يقول الدكتور الخالدي: (وإلى سيادة الشرع ذهب جمهور علماء المسلمين، بل انعقد عليه الإجماع، حين بحثوا مسألة (الحاكم) من هو؟ وحكى الشوكاني عدم وقوع الخلاف في ذلك… وقد نص مفكري الإسلام – من علماء الأصول وغيرهم- صراحة على كون السيادة محصورة في الشرع وحده مطلقا. ومنهم: الآمدي، وأبو بكر المعروف بابن العربي، والأسنوي، والشوكاني، وابن القيم، وغيرهم).
عبد الله السكرمي