فرص وتحديات الحكم الصالح والمؤسسية في الواقع السياسي السوداني (1)

بهاءالدين-مكاويرغم الاختلافات الواسعة بين العلماء والمفكرين حول مفهوم الحكم الصالح لكنه يشير بشكل عام الى «الحكم الذى تقوم به قيادات سياسية منتخبة ،وكوادر ادارية ملتزمة بتطوير موارد المجتمع،وبتقدم المواطنين ،وبتحسين نوعية حياتهم ورفاهيتهم ،وذلك برضاهم وعبر مشاركتهم،ودعمهم « .
وطبقاً للبرنامج الانمائى للامم المتحدة(UNDP) فى عام 1997م، فإن الحكم الصالح يقوم على المشاركة الفاعلة من قبل المواطنين فى إدارة شؤون مجتمعهم ،والشفافية بمعنى توافرالمعلومات الصحيحة والدقيقة والكاملة حول الموضوعات المختلفة،وإمكانية الحصول عليها بسهولة من قبل المواطنين ، والمحاسبية أى خضوع الموظفين الحكوميين للرقابة والمساءلة ، وحكم القانون بمعنى توافر ترتيبات قانونية وقضائية واضحة، مع كفالة المساواة أمام القانون للجميع ، والفاعلية: وتعنى الإستخدام الأمثل للموارد،أى تخصيص وإدارة الموارد استجابة للحاجات الجماعية ، والإنصاف أى كفالة معاملة عادلة للجميع، فضلاً عن التوزيع العادل لثمار التنمية وأعبائها .
لكن برنامج الأمم المتحدة الانمائى وضع لاحقاً- تسعة معايير للحكم الصالح هي :المشاركة الفعالة للمواطنين (رجالاً ونساءً)، مع توفر القوانين التى تضمن حرية تشكيل الجمعيات والأحزاب،وكفالة حرية التعبير والانتخاب، وبسط الحريات العامة بشكل اجمالى ،وحكم القانون، أى مرجعية القانون وسيادته على الجميع دون إستثناء، و الشفافية ،بمعنى توفر المعلومات الدقيقة فى مواقيتها،وافساح المجال امام الجميع للأطلاع على المعلومات الضرورية والموثقة بما يساعد على اتخاذ القرارات الصحيحة،ويجب نشرالمعلومات بصورة علنية بما يوسع دائرة المشاركة والرقابة والمحاسبة،ويخفف من الهدرويحاصر الفساد، وحسن الاستجابة: أى قدرة المؤسسات على خدمة المجتمع بالاستجابة السريعة لمطالبه واحتياجاته، والتوفيق : أى القدرة على التوسط والتحكم بين المصالح المتضاربة في المجتمع، والمساواة بين الرجال والنساء فى الحصول على الفرص لتحسين الأوضاع والارتقاء الإجتماعى، والفعالية : بمعنى القدرة على تنفيذ المشروعات التى تحقق احتياجات المواطنين وتطلعاتهم على أساس إدارة عقلانية وراشدة للموارد. ووجود نظامم تكامل من المحاسبة والمساءلة السياسية والإدارية للمسؤولين ولمنظمات المجتمع المدنى والقطاع الخاص، بالاضافة الى الرقابة الاستراتيجية المنطلقة من المعطيات الثقافية والاجتماعية والهادفة إلى تحسين أوضاع الناس وتنمية المجتمع.
أما الحكم غير الصالح، فهو الحكم الذي لا يفصل بين المصالح الخاصة والمصالح العامة، ولا بين المال العام والخاص، والذي يتميز بنقص الإطار القانوني، وتطبيق القوانين بصورة تعسفية، مع إعفاء المسؤولين لأنفسهم من تطبيق القوانين، مع وجود عدد من المعيقات القانونية والإجرائية أمام الاستثمار الإنتاجي بما يدفع نحو أنشطة الربح الريعى والمضاربات ،ووجود آليات تتعارض مع التنمية، وتدفع نحو الهدر فى الموارد ، فضلا عن وجود قاعدة ضعيفة أو مغلقة وغير شفافة للمعلومات ، وانتشار الفساد وآلياته وثقافته وانتشار القيم المتسامحة مع الفساد ، ويؤدي كل ذلك الى اهتزاز شرعية الحكم، وضعف كفة المواطنين فيه، بما يدفع الى انتشار القمع ومصادرة الحريات والتسلط وانتهاك حقوق الإنسان .
وتهتم المؤسسات الدولية اهتماما كبيراً بموضوع الحكم الصالح ، وتضع مؤشرات مختلفة لقياس درجة صلاحية الحكم في كل انحاء العالم ، ويتم الإعلان سنوياً عن صدور تقارير عن مؤسسات دولية للمقارنة بين الدول ولترتيبها وفقاً للمؤشرات التي تعتمدها في هذا الصدد. من هذه ( المؤشرات)الاتي :
1- مؤشرالحوكمة العالمي (Worldwide Governance Indicator)
يصدر عن البنك الدولي ، ويعد هذا المؤشر من أكثر المؤشرات شمولاً ومصداقية ودقة في جودة الحكم حسب رأي أغلب الخبراء ، وتتكون المؤشرات العالمية للحوكمة من ستة مؤشرات هي : السيطرة على الفساد ، وفعالية الحكومة ، والاستقرار السياسي، وجودة التشريعات وتطبيقها ، وسيادة القانون ، والمشاركة والمساءلة .
2- مؤشرالحرية السياسية:.
ويصدرعن بيت الحرية ( Freedom House) وهي منظمة غير حكومية مقرها الولايات المتحدة الأمريكية تدعم وتجري البحوث حول الديمقراطية والحرية السياسية وحقوق الإنسان.،وقد تأسست هذه المنظمة في العام 1941 ،وتقدم نفسها على انها «صوت خالص للديمقراطية والحرية في جميع أنحاءالعالم».
واعتباراًمن عام 2010،شكلت المنح المقدمة من حكومة الولايات المتحدة معظم الاعتمادات المالية التى حصلت عليها المنظمة. تعتبر منظمة بيت الحرية على نطاق واسع مصدرا موثوقا به،ومع ذلك، كثيراً ما تتهم بالتحيز، والعمل على خدمة المصالح الأميركية في الخارج.
تعتمد «فريدومهاوس» أربعة معايير لتقييم الدول، هذه المعايير هي : المساءلة وصوت الشعب، والحريات المدنية، وسيادة القانون، ومحاربة الفساد والشفافية.
3- مؤشر مدركات الفساد (Corruption Perception Index) :
ويصدر عن مؤسسة الشفافية الدولية(Transparency International)، وتعرف منظمة الشفافية الدولية الفساد على انه «كل عمل يتضمن سوء استخدام المنصب العام لتحقيق مصلحة خاصة ذاتية لنفسه أو لجماعته» ويأخذ الفساد اشكالاً مختلفة، حيث تعتبر الواسطة، المحسوبية، المحاباة، نهب المال العام، الابتزاز، الرشوة، واشكال خرى جميعها تأتي تحت سوء استغلال المنصب العام وتعتبر أفعال فساد.
أما مؤشرات قياس الفساد حسب مؤسسة الشفافية الدولية فتتمثل في الاتي :-
أ/ قياس الفساد عن طريق ادراك الناس له (مؤشر مدركات الفساد) .
ب/ قياس الفساد عن (طريق خبرة الناس في التعامل مع ظاهرة الفساد المطلوب قياسها).
ج/ ارقام عدد المحكومين والمحالين والمطلوبين بتهم فساد .
4- مؤشر حرية الصحافة (Press Freedom Index) :
تقرير تصدره منظمة( مراسلون بلاحدود ) ومقرها باريس. يقوم التقرير بتصنيف الدول بناءً على تقييم المنظمة للحريات الصحفية فيها .يستند التقرير الى استبيان يرسل الى منظمات شريكة لمنظمة مراسلون بلا حدود، بالإضافة الى مراسلين معتمدين لدى المنظمة والصحافيين والباحثين والمحامين ونشطاء حقوق الإنسان حول العالم .
يطرح الاستبيان اسئلة عن الهجمات التي يتعرض لها الصحفيون والإعلام، بالإضافة للضغوط غير المباشرة على حرية الصحافة، ويتعرض التقرير للنقد على اساس أسلوب جمع البيانات حيث يعتمد على الملاحظات الفردية .
وهناك ايضاً تقريرالحوكمة الديمقراطية العالمي(Global Democratic Governance Report)ويصدر عن برنامج الامم المتحدة الانمائي(UNDP) ومؤشر النزاهة العالمي(Global Integrity Index) ويصدر عن مؤسسة النزاهة العالمية .
لكن ما تجدر الاشارة اليه هو ان المؤسسات التي تصدر هذه المؤشرات تتفاوت فيما بينها من حيث المصداقية ، فبينما تلتزم بعضها معايير موضوعية ، تفتقر بعضها الى هذه المصداقية ،ومع ذلك فإن لها تأثيرا كبيرا على الدوائرالسياسية والاقتصادية ودوائر الأعمال الدولية، وعلى أساس المعلومات الواردة في هذه التقارير تتخذ قرارات مصيرية وحاسمة .
في ذات الوقت هناك من يجادل بأنه لا يمكن تعميم أسس الحكم الصالح بسبب اختلاف الظروف الاجتماعية والاقتصادية فى العالم الثالث عن تلك الظروف السائدة فى دول أوربا الغربية، فضلاً عن أن التعميم يعنى عدم احترام الخصوصيات الثقافية للشعوب والمجتمعات .
هذا الاتجاه يؤكد بأنه لا يمكن اعتماد معايير ثابتة للحكم الصالح وتعميمها، بل يمكن أن يحدد كل مجتمع أسس الحكم الصالح له، استناداً إلى أطره الاجتماعية والثقافية وتجربته التاريخية.
لكن يمكن القول بأن هذه الاسس هي – الى حد كبير- واسعة وفضفاضة مثل : الشفافية، المحاسبية، الإنصاف ، وهذه أسس يمكن اعتمادها فى أى مجتمع، و يبقى من بعد ذلك إيجاد الآليات المناسبة لتفعيلها، وهنا تأتى الخصوصية الثقافية والتجربة التاريخية، ويمكن لكل مجتمع ان يوجد آلياته، اما المبادئ العامة فليس فيها تجاوز للخصوصيات والتجارب الخاصة بالشعوب ، لأن هذه قيم إنسانية عامة وهى ليست خاصة بالغرب أو الشرق وإنما أسهم فى صياغتها كل البشر من خلال تجاربهم الطويلة حتى غدت من المسلمات .