في تجربة جديدة ورغم التعريف الدولي المختلف.السودان يجمع بين قضيتي ( اللجوء) و(النزوح) في التعامل مع شعب الجنوب

مسارات

مسارات

أكتسب السودان خبرة ممتازة في التعامل مع قضايا النزوح واللجوء، من خلال واقع فرضته ظروف سياسية وطبيعية ، فجعلت من هاتين القضتين ،هما سودانيا خلال عقود من الزمان ،والسودان بحكم انه يجاور عددا من الدول معظمها في حدود برية عدا المملكة العربية السعودية التي يفصلها البحر الاحمر ، فهذا العدد الكبير من دول الجوار متقبلة المناخ الطبيعي والسياسي بالاضافة الى الصراعات الاثنية فيها قد زاد من عدد اللاجئين في السودان واليوم بحسابات المنظمة الدولية فإن السودان اكبر دولة في العالم تستضيف اكبر عدد من اللاجئين وهذا العدد في تزايد مستمر كلما
حلت كارثة طبيعية في دول الجوار او اشتد الصراع العسكري كما في حال الجارتين الاثيوبية والارترية ، او الصراع بين اطراف متنافسة على الحكم كما في حال الجارة افريقيا الوسطى ، فتدفق اللاجئين الى السودان من جميع اطرافة قد أكسبه خبرة في التعامل مع هذا الملف بالقدر الذي جعل المنظمة الدولية تقدر هذا الموقف ، رغم ان الوضع الاقتصادي في السودان لا يتحمل ضغط أكثر من مليون لاجيء في السودان ، واصبحت مفوضية اللا جئين السودانية صاحبة تجربة في قضية اللجوء وكيفية التعامل معها ، ورغم ان قضية اللجوء لها اثار جانبية الا ان هذا الخطر من الثقافات والعادات الوافدة مع هؤلاء اللاجئين لم يكن ذا اثر كبير على المجتمع السوداني وذلك لان طبيعة المجتمع تحمل تحصينا ذاتيا يقيه مثل تلك الاثار السالبة.
اما قضية النزوح فللسودان ايضا تجربة كبيرة في التعامل مع هذه القضية وان كانت قضية النزوح بدأت في وقت مبكر مع بداية حرب الجنوب في العام 1955م الا ان عمليات الادماج التي يتمتع بها الشعب السوداني لم تظهرها بعوراتها كما يحدث في كثير من الدول ، وكانت أكبر عملية نزوح في منتصف الثمانينات اي في العام 1983 وماتلاه من اعوام حتى العام 1985م ، حيث شهدت تلك فترة عمليات نزوح من ولايات كردفان ودارفور ، بسبب الجفاف الذي غطى معظم الدول الافريقية التي تقع في ذلك الحزام غرب ووسط القارة ، ضمن موجة جفاف عالمية حيث شهدت نقصا كبيرا في الامطار والحبوب وادت الى عمليات نزوح كبيرة كما حدث في السودان وأدي الى عمليات هجرة ولجوء كما حدث في بعض الدول الافريقية.
ورغم ان عملية النزوح في تلك الاعوام كانت الاكبر التي شهدها السودان الا انها لم تترك اثارا سياسية او اقتصادية ظاهرة بالمعني الحرفي لكلمة أثر ، فقد ساهمت طبيعة اهل السودان في امتصاص موجة الجفاف التي ضربت السودان من بين عدد من الدول الافريقية ، حيث كان التكافل والتراحم قد خففا العبء على السلطات المسؤولة في السودان .
والسودان اليوم يعيش تجربة جديدة مع قضيتي اللجوء والنزوح مع اشتداد الازمة في جنوب السودان واعلان المجاعة في عدد من ولايات الجنوب رسميا من قبل منظمات الامم المتحدة المعنية بهذه القضية ، والسودان بحكم علاقته التاريخية بدولة جنوب السودان ، فإن حالة شعب جنوب السودان تمثل حالتي لجوء ونزوح في وقت واحد رغم التعريف المختلف دوليا لهاتين الحالتين. حيث يعرَف النزوح: ( بأنه حركة الفرد أو المجموعة من مكان إلى آخر داخل حدود الدولة ، ويتم النزوح رغماً عن إرادة النازح بسبب مؤثر خارجي مهدد للحياة كالمجاعة أو الحرب أو الجفاف والتصحر أو أية كوارث أخرى تدفع النازح إلى مغادرة موقعه والتوجه إلى موقع آخر طمعا في الخلاص من تلك الظروف.
وجاء تعريف اللاجئ حسب ما جاء في قانون تنظيم اللجوء رقم 45 لسنة 1974من قوانين معتمدية اللاجئين ، كلمة ( لاجئ) تشمل كل شخص يترك القطر الذي ينتمي إليه بجنسيته خوفاً من الاضطهاد أو الخطر بسبب العنصر أو الدين أو عضوية جماعة اجتماعية أو سياسية أو خوفاً من العمليات الحربية أو الأعتداء الخارجي أو الإحتلال أو السيطرة الأجنبية أو الاضطرابات الداخلية ، ولا يستطيع أو لا يرغب أحد بسبب ذلك الخوف من الرجوع إاى قطره، أو كان لا جنسية له ولكنه ترك القطر الذي يقيم فيه عادةً بسبب تلك الأحداث ولايستطيع أو يرغب بسبب الخوف في العودة إليه .
إن اللجوء والنزوح رغم أنهما عنصران يقعان ضمن عملية الحراك السكاني إلاَ أنهما يختلفان فيما بينهما في الحقوق والواجبات.
فسكان جنوب السودان يعتبرون رسميا لاجئين اذا فروا من الجوع او الحرب الدائرة بين الاطراف المتصارعة ، باعتبار انهم في دولة ذات سيادة منذ انفصالها عن السودان في عام 2011م ، وبالتعريف ان تعريف نازخ سيكون غائبا عن الوصف ويكون حاضرا وصف لاجيء ، ولكن لان السودان يتعامل مع دولة الجنوب بصفة خاصة فإن هذه الحالة الجنوبية تحمل تعريف نازح ولاجيء في وقت واحد ،ولان السودان صاحب تجربة كما أشرنا في قضيتي اللجوء والنزوح ولطبيعة العلاقة الخاصة مع دولة جنوب السودان ، يقدم تجربة جديدة في الجمع بينهما من خلال التعامل مع شعب الجنوب .
فقد أعلن وزير الخارجية أ.د. إبراهيم غندور،امس الاول الخميس ، أن الرئيس عمر البشير قد وجَّه بتقديم الدعم اللازم للأشقاء بدولة جنوب السودان، وذلك بالتنسيق مع وزارات ومؤسسات الدولة المعنية لتيسير وضمان وصول المساعدات الإغاثية والإنسانية.
كما وجَّه البشير بتأمين كافة التسهيلات المطلوبة لدخول أي مساعدات إنسانية موجهة لجنوب السودان عبر الأراضي السودانية، سواء من منظمات ووكالات الأمم المتحدة أو الدول الشقيقة والصديقة، وذلك لضمان نجاح حملة الدعم الدولي التي تستهدف تخفيف معاناة شعب جنوب السودان، منوهاً إلى أن حكومة السودان تستشعر عن قرب حجم تلك المعاناة.
وأكد الوزير غندور، دعم السودان ومساندته لأشقائه بجنوب السودان في ظل الأوضاع الراهنة التي تمر بها بلادهم، مضيفاً أن «أواصر القربى وروابط الدم والتاريخ والمصير المشترك تحتم علينا تقديم كافة أشكال الدعم والمساندة، حتى يعبر أشقاؤنا في الجنوب ظروف المعاناة والمحنة الإنسانية الراهنة.
وهاهو السودان يقدم تجربة جديدة في قضيتي الجمع بين النزوح واللجوء رغم الاختلاف الكبير بينهما في التعريف الدولي ، ويمكن لهذه التجربة الجديدة التي يقدمها السودان في العمل الانساني ان تكون نموذجا للحالات المشابهة ،او الدول التي يجمع بينها تقارب كبير كما فعل السودان مع حالة جنوب السودان.