طروس كبير العسس والبصاصين (4)

423(1)
ما زلنا مع (أوراق من الذاكرة) من مذكرات رئيس جهاز الأمن ووزير الداخلية الأسبق الفريق عبد الوهاب ابراهيم. حيث نجد بعد ما وقفنا عليه في السابق الكثير المثير ايضا خلال فترة تولي الرجل مهام حكمدار مدينة أم درمان فى أواخر العام 5691، حيث العداء و الشحناء بين القيادات السياسية خلال عهد الديمقراطية الثانية ينعكس بصورة أو بأخرى على الأداء الأمنى. ومثال ذلك أن يقوم رجال الأنصار والختمية معا بإطفاء مصابيح سرادقى الطائفتين فى وقت متزامن، مما يؤدى الى أظلام مناطق واسعة من ساحة المولد النبوى الشريف عند لحظة دخول الرئيس أسماعيل الأزهرى مكان المولد في ميدان الخليفة، واللحظات الصعبة والحرجة التى يواجهها، نتيجة لهذه الممارسات و مثيلاتها، بصفته الحكمدار المسؤول عن الأمن.
من أعقد المواقف التى مرت على الفريق عبد الوهاب أثناء توليه حكمدارية شرطة أم درمان، وأكثرها حساسية، كانت عندما قام المحامى كمال الدين عباس برفع دعوى قضائية ضد وزير الداخلية السيد أحمد المهدى متهما إياه بأنه ضربه بعصا على رأسه خلال اجتماع حزبى. وقد سلم قاضى ام درمان عبد الرحمن التوم للحكمدار عبد الوهاب أمرا قضائيا بالقبض على وزير الداخلية. وتقول المذكرات إن الحكمدار عندما دخل سراي المهدى لتنفيذ الأمر تجاوب معه حفيد المهدى ووزير الداخلية فأقتيد الى مركز الشرطة حيث أخذت أقواله وصودرت منه العصا و أستبقيت كمعروضات. و لكن القضية تمت تسويتها بين أطرافها وديا بعد ذلك فزال الحرج الذى كان من شأنه أن يتسبب فيه تقديم وزير الداخلية الى المحاكمة.
ومن أكثر المشاهد تعبيرا عن احترام قادة النظام السياسى الديمقراطى للقانون ما ترويه المذكرات عن القبض على الوزير محمد أحمد المرضى فى أعقاب حادث سير تسبب فيه بسبب إخفاقه في التوقف عند علامة مرور حمراء، ثم حضور رئيس الدولة إسماعيل الأزهرى و قيامه بنفسه باستيفاء جميع إجراءات الضمان اللازمة قبل إطلاق سراح الوزير من حراسة الشرطة.
(2)
و عند قيام انقلاب 25 مايو 1969 تبدأ مرحلة جديدة فى حياة صاحبنا، وكان وقتها نائبا لمدير الأمن العام ولم تكن صلته بالرائد فاروق عثمان حمد الله، أول وزير للداخلية بعد الإنقلاب، خالية تماما من بعض التعقيدات. فقد كان فاروق، بعد فصله من القوات المسلحة قبل الانقلاب، قد ألحق بالعمل مساعدا لضابط بلدية أم درمان، حيث عهدت اليه مسؤولية إزالة السكن العشوائى بمنطقة أم بدة، وكانت طبيعة عمله تقتضى التعامل مع عبد الوهاب الذى كان مسؤولا عن الشرطة، ولم يكن فاروق فيما يبدو مرتاحا لطريقة تعامل عبد الوهاب معه. و قد تجلى ذلك – بعد تولى فاروق منصب وزير الداخلية – فى حديث دار بينه وبين اللواء زيادة ساتى عبر فيه وزير الداخلية عن إعتقاده بأن (التعامل والتعاون مع عبد الوهاب صعب).
وتستعرض المذكرات بعد ذلك – وبدرجة عالية من الشفافية – الصراعات التى دارت فى وزارة الداخلية بين محاور متباينة المواقف والرؤى، نتيجة لإستقدام الحكومة لبعض أعضاء الحزب الشيوعى السودانى للوزارة وإسناد مهام أمنية اليهم. قد كان موقف صاحبنا من هذه الصراعات واضحا منذ البداية فقد جاهر برأيه من أن كادرات الشرطة كادرات مهنية وطنية وليست حزبية، و أنها قوة نظامية لا يرأسها من لا ينتمى إليها. وفى اجتماع عام لضباط الشرطة أعترض عبد الوهاب على وجود كوادر حزبية. و قد كان من مؤدى هذه المواقف أن تم نقله الى ادارة الجوازات بناء على إيعاز من رجل الحزب الشيوعى القوى داخل الوزارة محمد أحمد سليمان.
وبخلاف توقعات الكثير من زملائه فإنه استمر في العمل و لم يتم فصله و يعزى عبد الوهاب ذلك لشخصية الرائد فاروق عثمان حمد الله الذى يصفه بأنه كان شخصا (مرنا و معقولا و يتفهم الرأى الآخر).
(3)
و تتناول المذكرات بشئ من التفصيل الإتهامات التى طالت عبد الوهاب من قبل بعض تيارات و شخصيات المعارضة السياسية للنظام المايوى، والتى وصفته بأنه كان من أشد معارضى المصالحة الوطنية التى عقدها الرئيس جعفر نميرى مع تنظيم الجبهة الوطنية خلال عامى 1977-1978، و هو ما ينفيه صاحبنا كما سيرد. والذين أطلعوا على الوثائق الإعلامية لتلك الفترة لا بد أنهم لاحظوا قسوة و ضراوة الهجوم الذى دأبت على توجيهه للفريق عبد الوهاب، سواء بصفته الشخصية أو بصفتيه الرسميتين كوزير للداخلية ورئيس لجهاز الأمن، مجلة (الصباح الجديد) التى كانت تصدر من لندن خلال السبعينات ناطقة بلسان تيار متميز فى المعارضة قاده الراحل الشريف حسين الهندى، وكان يرأس تحريرها المغفور له حسين عثمان منصور. ومن ثوابت ماكيت تلك المجلة صورة دائمة، كانت تظهر فى كل عدد من أعدادها، للفريق عبد الوهاب يغطيها خطان متقاطعان فى شكل علامة (خطأ) و تحتها عبارة واحدة لا تتغير وهى: (عبد الوهاب إبراهيم وزير الداخلية الفاشيستى المغرور)!
و لا غرو أن عبد الوهاب كان فى طليعة المستهدفين يوم دخلت الخرطوم طلائع قوات الغزو فى يوليو 1976، ولم يتنبه قادة الغزو ومنفذيه أن الرجل كان يومها خارج البلاد، فجهدوا فى تعقب مظانه داخل الخرطوم دون جدوى، ثم وقعوا على شخص أسمه عبد الوهاب إبراهيم سليمان، كان يعمل مهندسا بجامعة الخرطوم، فأقتحموا داره وألقوا عليه القبض. وقضى المهندس فى الأسر ساعات عصيبة حتى تمكن من أثبات أنه ليس وزير الداخلية. و قدآثر هذا الرجل أن يُبقى على وقائع المحنة التى تعرض لها سرا مطويا لعهد طويل، غير أننى إستأذنت فى نشرها إبنة شقيقته، وهي اختصاصية أطفال بإحدى مستشفيات بريطانيا.
(4)
وكان بعض قادة المعارضة الذين آبوا الى السودان بعد المصالحة قد أدلوا بتصريحات وفيرة منشورة تصف الفريق عبد الوهاب بأنه يشكل مركزا من أقوى مراكز القوى عداءً للمصالحة. و فى معرض الرد على هذه الدعاوى يقول عبد الوهاب إن نظام مايو لم يعرف مركز قوة بخلاف جعفر نميرى. ثم يؤكد أنه لم يضمر العداء للمصالحة وعناصرها، كما ردد هؤلاء بغير علم ولا هدى. غير ان القارئ يلمس بعض مشاعر الرجل الحقيقية من سطور متناثرة هنا وهناك سنعرض اليها بأمر الله في الجزء التالي من هذه السلسلة.