قصة قصيرة .. سقف الأحلام

مواهب حسن عمر محمد

مستلقية في سريرها ذي الملاءة السوداء في غرفتها الواسعة تلك شباك مفتوح و خيوط من الشمس و الأمل تتسلل خلسة الي داخل الغرفة،تنظر الي السقف تبدو غرفتها قديمة الطراز مع بعض اللمسات الحديثة،ها هو السقف أبيض اللون تتخلله نقوش ذهبية و فضية لامعة، لون الجدران الوردي،منذ أن ولدت و هي تراه هكذا تذكر أنها حاولت مرارا إقناع أمها بأن تدعها تغير اللون الا أن كل محاولاتها عادت بخفي حنين.لم يسمونها غرفتي اذن؟ همست لنفسها مستنكرة! عادت للسقف بعينيها، المروحة المهترئة ذات بيوت العنكبوت المنسوجة فيها بتفان ، لم تكن تدري ما السر في كون هذه البيوت لا تتلاشي حين تدور ألواح المروحة الثلاثة! ربما كان الإصرار! ثمة ثقب واسع في السقف، تستطيع أن تري من خلاله العرش البلدي الذي يليه تذكر قصته كما الآن ..كان يوما ثقيل الأمطار اختبأت فيه و أمها و اخوتها الصغار في مطبخ المعيشة، فقد كان وحده الملاذ الآمن أما بقية المنزل فكانوا يتوقعون سقوطه في أية لحظة حتي غرفتها تلك .مرت الساعات في حضرة المطر، و بعد أن توقف، ذهبت و أخوها الأكبر الي غرفتها،وجدوها في حالة يرثي لها، غارقة في بركة من الدموع و الطين، أغراضها كانت مبعثرة جدا و السقف..! سقف أحلامها ذاك…. وجدته مثقوبا!
طارت أحلامها بعيدا وبعد جهد جهيد نظفا الغرفة ورتباها الا ان السقف ما زال كما هو لها مواقف عديدة مع هذه الغرفة، غرفة الذكريات ذات غياب له، أصابتها حالة هستيرية، انعزال،و وحدة، و شعور باللاشئ و باللا ناس طيلة فترة غيابه، و حينما عاد ، كان قد تبقي للعيد يومان، هي لم تكن تدري بأن العيد متقلب الآراء هكذا، أو أن بإمكانه مداهمتها بغتة الا حين صافحها العيد وقت أن مدت يدها لسيد الغياب بالسلام! جلسا معا علي مقاعد من الشوق، في ذات الغرفة ذات السقف المثقوب، رجته ألاّ يغيب مجددا، وعدها بذلك.. يا إلهي كم تنسي كثيرا هي!فقد نسيَت أنه كان يؤمن تماما بتلك المقولة: الوعود خلقت لتُخلَفْ»فطبق ما يؤمن به في ذاك الوعد أيضاً تخبر نفسها :أنت الآن رجل ميت ،ذكراك لا تصيب بداء الاحساس، و لا تشفي من الحنين، تمشي علي حواف الذاكرة فتتزن حينا و تتعثر أحيانا ، أما أنا فأود لو تسقط منها إلي الأبد تفكر بصوت عال:لا…. لا صعب جدا أن نجتاز بحرا من الشوق بمركب نسيان قابل للغرق في أية لحظة ذكري عابرة و من ثم نصل لبر اللامبالاة بأمان! في الحقيقة هي ما زالت تحتفظ برسائله الورقية منذ خمس سنوات و ستة أشهر و ثلاثة أيام و دقيقتان و ثوان عشر و ما زالت تكتب له رسائل ورقية في كل أعياد ميلاده التي لم تراها فيه ثم تخبئهم عندها لحين إشعار آخر. ما زال هو كاتبها المفضل حتي بعد توقفه عن الكتابة ، حتي بعد تعرُفهَا علي ذاك الكم الهائل من الكتابات الرائعة لغيره. يا إلهي!! لقد أصابها الشوق حتما ، بعد كل هذه التفاصيل.نهضت بسرعة و التقطت هاتفها الجوال، و بعد قليل بحث عن اسمه، ضغطت زر الاتصال.. شَعرَتْ حينها و كأن خفقات قلبها قد ازدادت بمقدار نبضة هذا الرقم مغلق حاليا الرجاء م..ع..ا «ألقت بهاتفها جانبا استلقت مجددا و رجعت بعينيها للسقف…تفكر في نفسها :ماذا لو كان الغياب جريمة ؟ مثلها و مثل باقي الجرائم؟فيقال الغياب القتل السرقة وهكذا ماذا لو كان عقابك بان لا تغيب عني مرة أخري ؟والا ستحكم بالحضور المؤبد ؟ تفكر بصوت عال:لا.. لا يجب ان يحدث هذا»تواصل التفكير بصمت ينبغي عليه أن يأتي من تلقاء شوقه نحن لسنا بحاجة لنفرض حضور من نحب بقانون ما وحده الحنين سيتكفل بعودته تستلقي علي سريرها مجددا و تعود بنظراتها للسقف المثقوب ، ما زالت بعض الاحلام تطير من ذلك الثقب و بعضها يسقط ليرتطم بالواقع لم يتحقق احدهم بعد حسنا.. لا مشكلة تقول لنفسها..حين يعود سنعيد بناء السقف معا حينها لن يكون بيد الأحلام سوي أن تتحقق لن نترك لها ثقبا لتهرب منه تغمض عينيها ببطء متخيلة سقف أحلامها الجديد ، بلون أزرق كما السماء».تأخذ مفكرتها الصغيرة الماثلة قربها ، تفتح صفحة جديدة ، و تكتب:كانت أنثي لا تؤمن بأن ثمة حدود للأحلام ، فصار سقف أحلامها أزرق اللون، واسع جدا و يحدها من كل الأنحاء و عد كي تظل علي الوفاء.