ما عارفين نقول شنو

485أم القضايا في أي بلد هي حياة ومعاش الناس، وفي البلدان المحكومة بقوانين ملزمة، وتحظى باحترام أهل الحكم والمعارضة، يكون قياس مدى نجاح او فشل الحكومة بما تنجزه او تعجز عن إنجازه في ميادين كالتعليم والصحة والاكل والشرب والأمان، ولكن، وفي بلادنا، فإن تلك القضايا كرة بنق بونق، يعمل كل طرف على الدفع بها في اتجاه الطرف الخصم، والفائز من يفشل خصمه في رد الكرة إلى من حيث أتت.
وكلما حار دليلي في أمر المتلاعبين بقضايا الناس الحيوية، تذكرت مطلع أغنية للتاج مكي يقول فيها: ما عارفين نقول شنو و(المصيبة) ما قادرين نقول شنو. هل الكركبة حول كيف يتزوج الناس هي مفتاح لحل المشكلات المركبة التي تعاني منها البلاد؟ أم هي ضجة مفتعلة لصرف الأنظار والأسماع عما يعانيه الناس من أوجاع والتياع وضياع؟ لماذا لا نترك الحال في حاله ويتزاوج الناس بنفس الطريقة التي كان أسلافهم يتزوجون بها، وبحضور جميع رجال ونساء الحي؟
وبالطبع فإنني مدرك لحقيقة أن موضوع الزواج بالتراضي، جاء في سياق المطالبة بتضمين حريات أساسية في الدستور المرتقب، ولكن المؤتمر الشعبي الذي شال وش القباحة (وإن شئت قُل اختار المناطحة) ينسى أنه كبيرهم الذي علمهم السحر، وأنه صاحب القدح الكبير في معمار المؤتمر الوطني، وفات عليه أن قيادة المؤتمر الوطني الحالية هي «الحوار الذي غلب شيخه»، وبالتالي نجحت في استخدام تكتيكات التمويه والمراوغة التي تعلمتها من الآباء المؤسسين، فجعلت الزواج قضية دستورية وجرت المؤتمر الشعبي الى جدل طويل وممل حول أيهما أسبق خلقا: البيضة ام الدجاجة
وكون المؤتمر الشعبي هو الطرف الوحيد في «العَوَة» الحاصلة الآن، دليل على أنه لا يوجد هناك حزب معارض حقيقي، ولو من وزن الريشة، شارك في الحوار الوطني، او معنيٌّ بما يسمى مخرجاته، ما عدا في ما يتصل بالحصول على كرسي ومسمى وظيفي عليه القيمة،كما لا يعني بأي حال من الأحوال أن الشعبي اختطف أصوات المعارضين، أو يحمل توكيلا منهم بمناطحة الحكومة حول كيف يتزوج الناس، ومن يكون رئيس الوزراء، وما دوره في نظام رئاسي، لأن واقع الأمر يقول إن المعارضة الحقيقية للحكومة، تتمثل في عامة الشعب غير المنظمين في أحزاب، وأن الأحزاب «التاريخية» صارت في ذمة التاريخ، وباتت عاجزة عن إدارة أمورها الداخلية، فكيف بها تدير صراعا مع الحكومة، أو تكون مهيأة للحلول محلها
ثم أن جميع الأقلام التي يتمتع حاملوها بالوعي السياسي، والقدرة على قراءة التاريخ، تدرك أن الدستور في التقاليد السياسية السودانية قميص كستور، انتهت موضته، وأنه حتى في حال استخدامه سهل القص والترقيع، فلا الحكومة الحالية، ولا حكومات الأزهري أو عبد الله خليل أو الصادق أو نميري، احترمت دساتير صاغتها أو ورثتها من ستانلي بيكر. وبالتالي فلا يهم المواطن العادي علام اتفق المشاركون في منتدى قاعة الصداقة، وغالبيتهم المطلقة لا تمثل إلا شخوصها، ولا يغيب حتى عن مستر بين، أن الأحزاب التي ولدت «جنى 6 شهور» قبل ثلاث سنوات، ومعها ال32 حركة مسلحة، هي فص ملح وداب، بمجرد انتهاء الجلسات التي أصابت كراسي قاعة الصداقة بالبواسير، وانزوت الآن كما التلميذ الذي جلس لامتحان لم يستذكر مواده جيدا، ومع هذا يحلم بالفوز بنتيجة تؤهله للحصول على مكافأة
والله أحس بالذنب لأنني خضت في هذا الموضوع، لأن ذلك يعني أنه تم استدراجي للسير في دائرة لا أعرف مبتداها من منتهاها، وعلى كل حال فعقد حكم المواطن يضع العصمة في يد الحكومة وحدها، ولا يقوم على التراضي، فما لنا والبنات اللواتي كان وما زال عليهن أن يمتثلن لأوامرنا نحن السادة «جمع سي السيد»؟