صلاحيات (الأمن)..بين سندان الحاجة ومطرقة المزايدات

تقرير : متوكل أبوسن

ALSAHAFA1-3-2017-5

أعلن جهاز الأمن والمخابرات الوطنى أمس الاول (الثلاثاء) في اجتماع اللجنة الطارئة للتعديلات الدستورية برئاسة نائب رئيس المجلس الوطنى د. بدرية سليمان رفضه القاطع لتقليص صلاحياته وتحوله الى منظومة امنية يقتصر دورها فى جمع المعلومات وتحليلها فقط ،وانتزاع حقه بموجب قانونه الذى اجازه المجلس الوطنى نهاية العام 2009 بالاغلبية فى التفتيش والاعتقال لمدة شهر تجدد بحسب توجيهات مديره لمدة لا تتجاوز الخمسة عشر يوماً لإكمال التحري والتحقيق،فيما امنت بنود القانون على الحرية الشخصية والخصوصية وعدم الاعتداء عليهما إلا وفقاً للقانون.الأمن يدافع
المسوغات التى دفع بها ممثل جهاز الامن والمخابرات الوطنى ، مدير الأكاديمية العليا للدراسات الإستراتيجية والأمنية الفريق أمن د. توفيق الملثم فى قبة البرلمان امام اللجنة الطارئة لم تختلف كثيرا عن تلك التى ذكرت قبل اجازة القانون نهاية 2009 ، من ان تقليص صلاحيات الامن يعد مهددا للمواطن وللامن القومى بشكل عام بالنظر الى التحديات التى تحيط بالبلاد.
سؤال جوهرى ظل يطوف حول رأس الخلافات بين القوى السودانية السياسية والمسلحة عن الفائدة المرجوة من تقليص صلاحيات جهاز الامن اوبسطها على نحو ماهو ماثل بحقه فى الاعتقال والتفتيش .
عضو لجنة الحريات بالحوار الوطنى ، امين الشؤون العدلية والدستورية بحركة العدل والمساواة السودانية سيف الدين ادم صالح ، فى حديثه لـ (الصحافة ) اكد انهم فى لجنة الحريات لم يناقشوا تقليص صلاحيات جهاز الامن من عدمه وانما توافقوا على الغاء القوانين التى تخالف حقوق الانسان ، مشيرا الى ان المؤتمر الشعبي تقدم بتوصة تطالب بإلغاء قانون جهاز الامن والمخابرات الوطنى للعام 2005 ، لكنها لم تجد التأييد من قبل عضوية لجنة الحريات بالحوار الوطنى ،مؤكدا تقدير لجنة الحريات لدور جهاز الامن فى حفظ الامن ،وقال : رغم اننا حركات مسلحة لكننا نعرف ونقدر الدور الكبير الذى يقوم به جهاز الامن فى حفظ الامن والاستقرار لذلك لم تكن من مطالباتنا الغاء دوره او تقليص صلاحياته،لافتا الى انهم دعوا الى اصلاح المؤسسات الامنية وليس الغاءها او تقليص دورها .
سيف الدين مضى الى ان من ينادون بإلغاء او تقليص دور جهاز الامن ربما يسعون لنسف استقرار البلاد او القيام بانقلاب على السلطة القائمة لانتزاع الحكم بالقوة ،وقال 🙁 اليده فى الموية ما ذى الايدو فى النار) نحن حركات مسلحة ونعرف قيمة الامن والاستقرار .
اتفاق ولكن
شبه اتفاق بين القوى السودانية على اهمية ان يشكل جهاز الامن قوة ضاربة لمجابهة التحديات التى يمكن ان تواجه الدولة السودانية، لكن اس الخلاف بينها ربما كان التخوف من تدخله فى الحياة السياسية على نحو ينال مما هو متوفر من الحريات المنصوص عليها فى الدستور الانتقالى للعام 2005 تعديل 2015 ، او ان يكون جزءا من نظام سياسي بعينه وهو مبرر بعض من القوى السياسية الداعمة لتقليص صلاحيات جهاز الامن وابرزها الحزب الشيوعي والحركة الشعبية قطاع الشمال.
ولكن القوى الرافضة لتقليص صلاحيات جهاز الامن ربما نظرت الى ابعد من الوضع السياسي الراهن فى تحديد موقفها من قوة عسكرية قومية .
رئيس حزب الأمة الوطني، عبد الله مسار، بوصفه من الرافضين لتقليص صلاحيات جهاز الأمن ، برر موقفه بأن البلاد تمر بوضع استثنائي ومشكلات امنية داخلية وخارجية ، مشيرا الى انه لا يمكن حصر مهام الأمن في جمع المعلومات وتحليلها فقط».
ومضى مسار وهو رئيس اللجنة الزراعية بالبرلمان، في تصريحات مطلع فبراير الماضى ، الى أنه لا يؤيد سحب السلطات الاستثنائية لجهاز الأمن، وقال إن الأمن «يساهم في استقرار البلاد ويشارك في العمليات الحربية»، وأضاف: «يستحيل جعله جهازاً لجمع المعلومات حالياً»،مؤكدا أن المخالفات التي يرتكبها أفراد أو مؤسسة بجهاز الأمن يمكن حسمها بالقانون واللجوء للمحكمة الدستورية بشكاوى من المتضررين،لافتا الى وجود قوانين وآليات محاسبة رادعة بالبلاد.
ذات المخاوف ربما قادت الحزب الاتحادى الديمقراطى الاصل فى وقت سابق بالدفع بمقترح للجنة الحريات التابعة للحوار الوطنى يجاوز فيها ما بين الاعتراف بوجود مهددات تتطلب قوة فى جهاز الامن وابتعاده عن الحياة السياسية بقسمته الى فرعين داخلى وخارجى وتمنح صلاحيات القبض والتفتيش للامن الخارجى.
وكلمات ممثل جهاز الامن والمخابرات الوطنى امام اللجنة الطارئة جاءت مستوعبة لما يثار وهو يبدى مرونة بعدم الممانعة فى تخفيض أمد بقاء المعتقلين بطرفه إلى حين تقديمهم للمحاكمة ، موضحا ان عمل الجهاز في المظاهرات، وأحاديث السياسيين أصبح مسألة صغيرة مقارنة بالتحديات، وقال إن الحريات السياسية مكفولة لجميع الناس وإن الأمن لن يتدخل إلا في حال استهداف المتظاهرين للحرق والتدمير أو ما إلى ذلك، وعلل مصادرة الصحف بأن هنالك ميثاقا يجمع الصحافيين فيما بينهم بألا يمسوا علاقات البلاد مع الدول الأخرى، فضلا عن أمن المجتمع وقيمه معتبرا أن كثيرا من الصحف أو بعضها يتعرض لهذه النقاط لذلك تتم المصادرة.
المدعى العام السابق ،الاستاذ المشارك بكلية القانون بجامعة الخرطوم د. عبدالرحمن ابراهيم الخليفة ، قال انه من المؤكد انه ليس من مصلحة دولة تنتاشها الحروب ومستهدفة فى محيطها الاقليمي والدولى وتتعامل فيها قوى معارضة مع اطراف خارجية ان تقلص صلاحيات جهاز الامن والمخابرات الوطنى ، مشيرا الى ان شكل وحجم المخاطر الهائلة جدا يجعل من الحديث عن التقليص حديثا غير موضوعى ،وعلق : يمكن ان تكون هناك رقابة ومتابعة لكن التقليص ضار جدا بالمصلحة الوطنية العليا والامن القومى .
الخليفة شبه حل جهاز الامن ايام ما عرف بانتفاضة ابريل 1985 على نظام الرئيس جعفر محمد نمير، بالكارثة ، واشار الى ان الخطوة قادت الى فقدان معلومات مهمة ومؤثرة على الامن القومى،وقال : بعض دول الجوار وضعت يدها على الملفات التى تخصها ومنظمات دولية واقليمية تمكنت من الحصول على ملفات لها كانت بيد جهاز الامن، ومنها ماهو متعلق بوضع افراد لم يعرف اين ذهبت وكيف؟.
(الحاجة أم القوانين)
القانون يعرف بشكل عام بأنه مجموعة من القواعد والأسس التي تعمل على تنظيم المجتمع ، بمعايير يتوافق عليها بما يراه مناسبا لتحقيق اهدافه وتنظيم اعماله .
ويقول خبراء القانون ان القواعد التي تطبق غير ثابتة وتتغير بتغير محيطها وانها لذلك تظل حركة تغيير القوانين واستحداث اخرى مستمرة لعكس المتغيرات التي تطرأ على حاجات المجتمع واتجاهاته.
وعلى هذا ربما يمكن القول ان محاولة المطابقة بين واقع الدولة السودانية بمحيطها المحلى والدولى فيها شئ من عدم الموضوعية والدقة .
عضو لجنة الحريات بالحوار الوطنى ، امين الشؤون العدلية والدستورية بحركة العدل والمساواة السودانية سيف الدين ادم صالح اشار الى ان السودان اصبح دولة ممر للجرائم العابرة للقارات والاتجار بالبشر والمخدرات والاسلحة وتزوير العملة وان الامر يحتاج لتقوية جهاز الامن لا تقليص صلاحياته.
الاستاذ المشارك بكلية القانون بجامعة الخرطوم د. عبدالرحمن ابراهيم الخليفة استهجن محاولات عقد مقارنة بين السودان وبقية الدول ، مؤكدا ان كل دولة تحدد اولوياتها وحاجاتها بمقتضى وضعها وواقعها ، وقال : رغم ذلك انا لا علم لى ان هناك دولة من دول الجوار حصرت عمل جهاز امنها فى جمع المعلومات وتحليلها ،مشيرا الى ان ما يواجهه جهاز الامن من موقف وتحديات يتطلب ان يكون له حق الاعتقال والتفتيش ،لكنه قال : الاعتقال ليس بالضرورة ان يكون لثلاين يوما ويمكن ان يتقلص الى اسبوع او اسبوعين او ثلاثة اسابيع.
ممثل جهاز الامن فى مرافعته عن مهام جهاز الامن امام اللجنة الطارئة ، وصف الحديث عن عمل الجهاز في مجال جمع المعلومات فقط، بأنه (كلام كتب وقديم)، وقال إن الأجهزة الأوروبية، رأت أن تحصر دور الأجهزة الأمنية في المعلومات فقط بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن بتطور المهددات والتحديات في العالم، طورت أوروبا وكافة الدول الغربية وسائلها وأساليب أجهزتها الأمنية لأدوات فعل حيث تقوم بجمع المعلومات، بالإضافة للقيام بعمليات أمنية وإستخبارية مصاحبة تحدد على ضوء التحديات.
ود. الملثم اشار الى ان تطور التحديات وتشعبها فرض على الأجهزة الأمنية في كل العالم التنسيق مع بعضها في المحيط العالمي من جهة، والمحيط الإقليمي من جهة أخرى، مؤكدا ان اقرار حصر دور الأجهزة الأمنية في جمع المعلومات؛سيجعل منه نشازا عن باقي الأجهزة إقليميا وعالميا، بجانب إضعاف دور الأمن في مقاومة التحديات والمهددات الجديدة.
اذا هى ايام وتوضع التعديلات الدستورية المقترحة منضدة الهيئة التشريعية القومية لجهة حسم الجدال حول صلاحيات جهاز الامن والمخبارت الوطنى ، ولكن المفارقة ان الخطوة لن تكون الاخيرة لاغلاق الستار عنها بالنظر الى ان ما ستتم اجازته سيكون انتقاليا الى قيام الانتخابات العامة 2020 وما سيتبع ذلك من مراجعات فى كافة القوانين والتشريعات لتتسق مع دستور جمهورية السودان الجديد بوصفه احد توصيات الحوار الوطنى التى اجيزت فى العاشر من اكتوبر الماضى.