أشجار النسب سعت إلى تأكيد الهوية. التنوع الثقافي قاد للوطنية وتشكيل الأمة السودانية

بقلم: د. عثمان حسن عثمان
ALSAHAFA3-3-2017-28بعض من ملخص حول كتاب الشخصية السودانية.. المكونات والمؤثرات والسمات.. محاولة في النقد الذاتي، الصادر عن جامعة المغتربين لمؤلفه بروفيسور عبد الوهاب أحمد عبد الرحمن أثار جدلاً واسعاً بين المهتمين والمختصين بين القبول والرفض لكثير من محتوياته.
قام الكتاب على فرضية أن المشكلات والأزمات المتلاحقة التي يعاني منها السودان وأوصلته إلى المأزق التاريخي لا يمكن ردها إلى الاستعمار ولا إلى التدخلات الأجنبية ولا لفساد أنظمة الحكم وإنما تعود بالأساس إلى الشخصية السودانية ولطبيعة مكوناتها ومقوماتها الجغرافية والإثنية والتاريخية والاجتماعية.
وتبدو ميزة هذا الكتاب في أنه فتح المجال للتعامل مع المشكلات في مجتمعنا على نحو جديد وبافتراضات جديدة، وأكد ليس فقط أهمية هذا المنحى المهمل في الخطاب السوداني بل أعطاه الأولوية لتحقيق النهوض والتطور، فمعرفة الذات خطوة مهمة لتطويرها ولصناعة التاريخ.
فكرة البداوة:
البداوة بحكم طبيعتها القائمة على كثرة الترحال ولا تعرف الاستقرار تؤدي إلى التصادم والاحتكاكات استناداً إلى مساحة الحرية غير المحدودة في عقلية البدوي حيث تمثل البيئة والعشيرة حدود علم الفرد الذي ينتفي فيه الآخر تماماً وتغيب عنه روح النقد والمساءلة لذا يكثر الاقتتال والنهب والتعدي والدليل على ذلك أيام القيمان التي نشطت في عهد الفونج بقصد النهب والسلب. وهذه القيم البدوية ناتجة عن نمط حياة البداوة غير المنتج والمعتمد بصورة أساسية على الطبيعة. يعد الوعي البدوي هو أساس فكرة تهميش الآخر وعدم الاعتراف به والتصارع معه أو افنائه. وبالتالي أصبحت البداوة أحد المحددات لفهم الفرد وتعاطيه مع الأشياء التي استحوذها روحياً وشطب على الآخرين وفلسفته التي تقوم على يقين الصورة العاطفية.
وبرغم التغيرات التي طرأت على حياة البداوة إلا أنها لازالت تغيرات سطحية لم تطل البداوة كعقلية وجدانية متأصلة وبالتالي أن الفرد السوداني ظل بدوياً في جوهره رغم السكنى في الأرياف والقرى والمدن وبذلك يظل المكون البدوي هو الغالب على الشخصية السودانية فمعظم أهل القرى والأرياف والمدن في دواخلهم ووجدانهم يعدون بدواً خلصاً متمسكين بقيم ومفاهيم وعادات وتقاليد البداوة التي تمثل الأصل لكافة أهل السودان. ويعزز ذلك ما هو سائد في حياة الناس حيث لم يزال الفرد السوداني يعد نفسه جزءاً لا يتجزأ من عائلته وقبيلته وعشيرته الممتدة في البادية ولازال الناس في السودان يثنون بالقول ود القبيلة، وبت القبيلة، وفارس القبيلة، وكان ذلك مصدرا لبعض سمات الشخصية مثل الكرم، والشهامة، والعنف، والولاءات العصبية.
الصوفية:
أما النزعة الصوفية كانت حاسمة في تشكيل العقل نتيجة التفاعلات التي حدثت على امتداد عصر الفونج وقد كان للنزعة الصوفية الغلبة على النزعة الفقهية التي أحرزت تراجعاً مستمراً لمصلحة الصوفية التي طبعت كل شيء بطابعها بما في ذلك العلم الذي أصبح مكرساً لركائز دعائم المنهج الصوفي ولهذا كله انعكست على الشخصية سمات وخصائص الزهد والتقشف، البساطة والتواضع والتسامح إلخ ثم القدرية وعدم العمل والتواكل وعدم الأخذ بالأسباب، واتساع مجال المغيبات وأحلام اليقظة، والخرافة والأساطير.
تكوّن النخبة الحديثة:
التعليم الحديث الذي عمل الانجليز على نشره في السودان كان محدوداً بأغراض الحكومة البريطانية ومتطلباتها المتمثلة في القيام بالأعمال الكتابية والمحاسبية والمهام البسيطة الأخرى المطلوبة لمساعدة الإدارة البريطانية لتنفيذ مخططاتها ومراميها الاستعمارية.
واستهدفت تعليم أبناء الزعامات والقيادات القبلية والدينية والجهوية والعناصر ذات الأصول الزنجية الساعية لاثبات وجودها وهدفت البرامج التي اتبعت في كلية غردون لخلق صفوة معزولة عن جذرها الاجتماعي من جهة. ومن جهة أخري عملت الإدارة على التقليل من مكانة المتعلمين وروجت إلى أنهم غير صالحين للقيام بدور في الشؤون المحلية أو أخذ مكانة لهم في الإدارة القبلية. في الوقت الذي عملت فيه على احداث توازن دقيق بين شيوخ وزعماء الطرق الصوفية والطوائف الدينية. وعملت على انشاء تنظيم لعلماء الاسلام غير المشتغلين بالسياسة عرف بمجلس العلماء مقره مسجد أم درمان الكبير لتقديم المشورة الدينية للحكومة حتى توجد لهم مكانة تضارع مكانة الزعامات الصوفية والقبلية ولم يكن الهدف من قيام هذا المجلس كما تذهب بعض التحليلات هو تكوين فكر ديني سني معارض للفكر الصوفي الغيبي فقط بل أيضاً محاربة الروح الديني المهدوي لأنهم يعلمون أهمية الدين ودوره في المجتمع السوداني. هكذا هدفت السياسة البريطانية لخلق جو من التوتر بين كل المكونات وأبقت المجتمع على حاله الموروث وتكريس الانتماءات والولاءات التقليدية وتعميق الاختلافات والانقسامات. طبيعة هذا التعليم لم يؤد إلى حدوث حركة فكرية أو ثقافية حقيقية وانما شكل أساسا للتفكير السياسي والعمل السياسي وبذلك مثلت السياسة أفق التعليم الحديث في السودان وبالتالي أصبح التفكير السياسي هو محدد التفكير في الحقول المعرفية الأخرى بل احتواها وصبغ عليها من روحه في أنظمة الحكم الوطني بمثل ما كان العقل الصوفي في السابق.
وكل ذلك وغيره جعل الشخصية السودانية في نهاية المطاف خاضعة لفكرة المرايا الاجتماعية حيث تتوقف نظرتنا لذواتنا من خلال نظرة الآخرين لنا: السوداني طيب، السوداني كسول، السوداني ذكي. لذلك الشخصية السودانية ظلت متذبذبة تسيدت فيها الولاءات الرأسية على الأفقية. لكن مع ذلك هنالك العديد من السمات الايجابية للشخصية السودانية التي يمكن أن يبني عليها مشروع اعادة بناء الشخصية.