(الصحافة) تحاور الناقد الأردني الأستاذ فخري صالح « 1-2 »:لا توجد بيئة ثقافية حاضنة لهذا النقد

جائزة الطيب صالح أتاحت المجال للأصوات الجديدة

حوار : حسن موسى .كاميرا : كمال عمر

ALSAHAFA-4-3-2017-36* الأستاذ فخري صالح ناقد أردني يعمل مديراً للدائرة الثقافية في جريدة الدستور الأردنية ورئيساً لجمعية النقاد الأردنيين ونائباً لرئيس رابطة الكتاب ، ناقد أدبي وباحث في الأدب له اهتمامات متعددة في نقد الرواية العربية ونقد القصة والشعر ، وأيضاً قام بترجمة مجموعة من الأعمال في عدد من الكتب الأساسية في النظرية الأدبية منها كتاب « النقد والأيدولوجيا « لتيري ايجلتون وله كذلك كتاب عن « موت الناقد « الذي يناقش اضمحلال صورة الناقد في الثقافة الأنجلوسكسونية ، اَضافة الى نشره كتابين عن ادوار سعيد الأول بعنوان « دفاعاً عن ادوار سعيد « والثاني عنوانه « ادوار سعيد دراسة وترجمات « ناقشت العلاقات المتشابكة التي تقوم على نقد ادوار سعيد ، هذا الى جانب عدد كبير من الكتب والدراسات عن شعراء المهجر والشعراء المعاصرين .
وعلى هامش جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي في دورتها السابعة لهذا العام 2017م التي ترعاها شركة « زين « والتي جاء اليها محكماً في مجال القصة القصيرة ، التقت به الصحافة في حوار ناقشت فيه مجموعة من القضايا الثقافية والفكرية وتقاطعاتها مع السلطة السياسية .< أين موقع النقد في الوطن العربي ؟ هل تموضع هذا النقد كاداة اكتشاف ؟
أنا لست سعيداً بوضع العالم العربي كما هو الآن وذلك من خلال تمحوره حول الطوائف والمذاهب وحالة التشرذم والتشتت ، فالنقد بصورة عامة غير موجود وهنالك للأسف نقاد وليس هنالك نقد فالمشكلة أنه لا توجد بيئة ثقافية حاضنة لهذا النقد ، فاذا كانت هذه البلدان لا تؤمن بالنقد بل تؤمن فقط بالرأي الواحد الذي لا يستطيع أن يتحاور مع الآراء الأخرى فكيف يكون هنالك نقد ، فاذا كنا نتقاتل بسبب اختلاف أصولنا العرقية أو اختلاف المذهب أو الطائفة أو الدين وننفي بعضنا البعض أو نتقاتل بالسلاح كيف اذن يمكن أن نتقبل النقد؟ .
والنقطة المهمة اننا نعيش الآن مرحلة أن المؤسسة الأكاديمية الآن تعيش وضعية لا تحسد عليها فهذه المؤسسة في العالم العربي منهارة ، وأنت تعلم أن النقد كان يخرج من المؤسسة الأكاديمية والجامعات في العالم العربي فهي قدمت انجازاً كبيراً في مجال النقد مثل طه حسين واحسان عباس وعزالدين اسماعيل وغيرهم كلهم خرجوا من هذه المؤسسة ، وأنا أعتقد أن جزءا من هذه المسألة يرجع لغياب الحرية في هذه المؤسسة الأكاديمية التي أصبحت محكومة لا بالعلم وانما بأشياء أخرى كثيرة .
< وهل الانسان العربي في صورته الراهنة متقبل للنقد حتى على المستوى الشخصي ؟
أنا لا أعتقد ذلك ، أنظر الى وسائط التواصل الاجتماعي وأنظر الى الحوار الحاد الذي يجري خاصة اذا أنت بدأت تتكلم عن الأشياء الأساسية التي تؤمن بها ولا تريد أن تتناقش فيها مع أحد .
< مستوى سؤال النقد وعلاقته بالنهضة ؟
يا سيدي ان مأساة العالم العربي تكمن في أسئلة النهضة التي طرحت في نهاية القرن التاسع عشر ، والتي طرحها مفكرون مثل عبد الرحمن الكواكبي وعبد العزيز الثعالبي وعدد آخر من المفكرين والأدباء الذين بدأوا مرحلة الاحتكاك مع الغرب ، ونحن لم نجب عن الأسئلة الأساسية التي طرحها الكواكبي .
< وما نوع هذه الأسئلة ؟
مثل سؤال ما هي أسباب الاستبداد ؟ ولماذا تقدم الغرب وتأخرنا نحن العرب ؟ وما هي العلاقة التي تربطنا بالغرب ؟ وسؤال الآخر ؟ وطه حسين كان يتكلم عن التعليم بوصفه مثل الماء والهواء ويتكلم عن علاقته بالغرب لأن طه حسين درس في الغرب .
وحتى هذه اللحظة لا نستطيع أن نجاوب على هذه الأسئلة وحتى المثقفون والمفكرون المعادون للغرب لم يستطيعوا الاجابة عن الأسئلة المطروحة ، وسبق وكانت لهم رؤية واضحة لهذه العلاقة فهم يريدون أن يزاوجوا بين الأصالة والحداثة والآن سؤالا الأصالة والحداثة يعاد الحديث عنهما من جديد
< هذه الأسئلة هل كان للعالم العربي الحالي دخل فيها ؟
المشكلة اننا تأخرنا في الاجابة عن هذه الأسئلة فكان عبد الرحمن الكواكبي وطه حسين واعيين بأجوبة هذه الأسئلة أكثر من المفكرين والمثقفين والنخب السياسية في العالم العربي .
< أين موقع المثقف العربي من هذه المعادلة ؟
ALSAHAFA-4-3-2017-37المثقف العربي في هذه المعادلة جرى تهميشه اما أنه استتبع وأصبح جزءاً من ألق السلطة ، وبالتالي أصبح يبرر كل الأفعال التي تفعلها هذه السلطة أو أنه جرى تهميشه وعدم الاهتمام به فاضمحل دوره .
اذن ما زرعته الدولة الوطنية نحن نحصده الآن ، أنظر الى حالة التفتت والتشرذم والانهيار والمعارك التي نفني فيها بعضنا البعض وهذه سببها يكمن في عجزنا الاجابة عن الأسئلة الأساسية وعدم القدرة على تحويل الدولة الوطنية الى دولة مدنية يكون للمواطنين واجبات وعليهم حقوق بغض النظر عن دينهم واثنياتهم واصولهم اللغوية والقومية والمذاهب التي ينتمون لها ، بل هم فقط مواطنون وهذا ما نجحت فيه أوربا ولم تنجح فيه الدول العربية وخصوصاً اننا اقتبسنا نموذج الدولة الوطنية القومية من أوربا نفسها ، وأنت تعرف اننا كنا نتكلم عن دولة عثمانية كان الدين هو الذي يحدد هوية الدولة ، والدولة العثمانية هي رغم أن الحكام أتراك ثم في فترة لاحقة قاموا بمحو اللغة العربية وأصبحوا لا يتعاملون بها وحلت محلها اللغة التركية ، ورغم ذلك أن شرعية الدولة العثمانية كانت تنبع من الدين ، والآن اننا دخلنا في فترة بعد هزيمة الدولة العثمانية وتوزيع التركة بين بريطانيا وفرنسا .
< ولكن خمسة قرون من الدولة العثمانية ألم يساهم ذلك في تأخير العالم العربي الى الحداثة ؟
أنا أتفق معك ولكن أريد أن أشخص حالة اننا اقتبسنا نموذج الدولة القومية من الغرب ، ولكننا ظللنا نلبس نفس الرداء الذي كنا نلبسه أيام الدولة العثمانية .
< بمعنى انها نفس الشعارات ؟
نعم هذه النخب السياسية التي جاءت بعد الاستعمار أقامت سياجاً حول ذاتها وأصبحت الدولة دولة نخبوية تستفيد من الوضع القائم ، ويستفيد مجموعة صغيرة فقط من خيرات هذه الدولة وتهمش الآخرين ، وسادت العصبية التي تحدث عنها ابن خلدون واحطنا انفسنا بغلاف من العصبية من أجل السلطة ، أنظر الى ما حدث بعد ثورات الربيع العربي نجد أن الدولة العربية ضعفت وأصبحت غير قادرة على مواجهة انفجار عدد من الهويات لأن سؤال الهويات المختلفة اللغوية والثقافية والسياسية ، فلم يجر ايجاد أجوبة له في الساحة فهذه السلطة فقط كانت راغبة في ترسيخ سلطتها ، ولم تنظر الى المجتمع ولم تشعر المواطن بأنه مواطن بالفعل يعيش في دولة مدنية لا تميز بين مواطنها .
< السرديات الكبرى التي حدثت في الرواية والانفجار الروائي ألم يساهم بصورة أو بأخرى في أن المجتمع العربي أصبح أكثر قابلية للتعبير عن نفسه ؟
هذا سؤال صحيح وأنا لا أريد أن أستخدم مصطلحات ماركسية تقليدية في أن أقول ان الأدب هو مرآة المجتمع ، ولكنه هو جزء من بناء الهوية في المجتمع وجزء من بناء نظرة الانسان حول العالم يجري التعبير عنها في الثقافة خصوصاً في الأنواع التخيلية السردية ، ولكن بما أن الرواية هي الشكل الأدبي المنتشر في العالم نقول انها أسهمت كثيراً في جعل هذه المجتمعات والفئات المهمشة تعبر عن نفسها ، فنحن في حالة حراك مستمر ليس ثقافياً وحسب وانما على الصعيد السياسي أيضاً .
< الى أين تتجه الرواية العربية مقارنة مع نظيراتها في أوربا ؟
المسألة في نظري شديدة التعقيد فعندما نتحدث عن الرواية العربية نحن نتحدث عن الرواية التي تنتج باللغة العربية ، ولكن عندما نتحدث عن الرواية في الغرب نتحدث عن روايات ينتجها كتاب آتون من ثقافات مختلفة من أفريقيا وأمريكا اللاتينية والصين والياباب وهم يكتبون بهذه اللغات أعمالاً تثري هذه الأنواع الروائية الموجودة في الغرب ، ونحن في العالم العربي نعيش في رقعة جغرافية أضيق ولهذا السبب أعتقد أن المقارنة ظالمة ، اضافة الى أن تاريخ الرواية في أوربا أطول بكثير من تاريخ الرواية في العالم العربي وفي أوربا نجدها بدأت منذ أكثر من 500 أو 600 عام كنوع أدبي ، وانما في العالم العربي بدأنا نتعامل مع هذا الشكل السردي في نهاية القرن التاسع عشر .
< ولكن ثورات الربيع العربي خلقت واقعاً جديداً كيف ترى هذا الواقع من منظور ثقافي ؟
أنا ربما أكون متفائلاً بالربيع العربي لأني أصدرت فيه كتاباً عنوانه « الثورات العربية والمثقفون والسلطة « وهو عبارة عن متابعة يومية عن ما يحدث في العالم العربي من منظور ثقافي وسياسي ، وكتبت في مقدمة هذا الكتاب اننا ربما ندخل في شتاء عربي قارص بعد هذا الربيع العربي ، لماذا ؟ لأن هذا القمقم من المشاكل بدأ ينفجر فكيف يمكن لهذه المجتمعات في العالم العربي والسلطة والنخب السياسية والثقافية أن تتعامل مع هذا القمقم الذي يمكن أن يدمر كل شئ ، والنماذج موجودة كما في العراق وسوريا وليبيا واليمن ، المسألة ليست السلطة فقط تتداعى على طريقة جينو أجيبي ، ولكن المجتمعات نفسها بدأت تتداعى فالعالم العربي ذاهب في اتجاه مزيد من التفتت والتناحر في هوياته .
وعلى الصعيد الثقافي أريد أن أضرب لك مثلاً أن أوربا لم تستطع أن تصل الى ما وصلت اليه اليوم من استقرار الا بعد مئات السنوات فعلى الأقل أن هنالك حروبات طاحنة مات فيها الملايين من البشر فهدمت أوربا كلها ، ثم جاء بعد ذلك مشروع مارشال من أجل اعمار أوربا ، ورغم ذلك هنالك مشكلات بدأت تظهر ومؤشراتها موجودة لذلك يجب أن لا نجرم الربيع العربي ونقول أنه جاء نتيجة مؤامرة .
< كيف تنظر الى جائزة الطيب صالح ؟
أنا أعرف الأدباء والمثقفين السودانيين ولكن هذه المرة الأولى التي أزور فيها السودان رغم أنني كتبت عن الطيب صالح وآخرين ، وجائزة الطيب صالح أتاحت المجال للأصوات الجديدة أن تحضر بقوة وتصبح أصواتاً فاعلة في المشهد الثقافي السوداني والعربي ، والمسألة الثانية التي تتيحها هذه الجائزة أن هنالك ندوة علمية تتيح المجال للمثقفين من السودان ومن العالم العربي والأفريقي أن يساهموا في الحوار الثقافي حول الثقافة في السودان والوطن العربي وأفريقيا ، وأظن أن اسم الطيب صالح هو اسم جامع فهو مثقف عربي ومثقف أفريقي عاشق للمتنبي ويكتب رواية « موسم الهجرة الى الشمال « التي تتحدث عن عملية الالتقاء العنيف بين الشرق والغرب وهذا النص يتفاعل بصورة إبداعية مع نص « قلب الظلام « لجوزيف كومن ، وفي الروايتين علاقة صراعية اتخذت أشكالاً مختلفة ، وأن الطيب صالح فكر في قضايا أساسية يعاني منها الشرق والغرب والشمال والجنوب .