(كودي) دمغها بالتناقض.«الشعبية» وإطلاق الأسرى …محاولة الخروج من الأزمات

تقرير : متوكل أبوسن

ALSAHAFA5-3-2017-22أعلنت الحركة الشعبية قطاع الشمال امس «السبت» إطلاق سراح 130 من الأسرى ، بزعم ادخال الفرحة في نفوس ذوي مطلقي السراح من المدنيين والعسكريين ، وكشفت عن مساهمة الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني بفاعلية في إجراء الاتصالات اللازمة مع دولتي السودان وجنوب السودان لتمكين الصليب الأحمر الدولي من نقل الأسرى إلي أوغندا.
تساؤلات عدة اطلت من بين ثنايا خطوة الحركة الشعبية قطاع الشمال المفاجئة والتي لا تتسق مع تمسكها بموقفها الرافض لادخال المساعدات الإنسانية للمتأثرين من الحرب في المناطق التي تقع تحت سيطرتها ، وهو الامر الذي انهارت بسببه جولة التفاوض بينها والحكومة بالعاصمة الاثيوبية «اديس ابابا » منتصف اغسطس الماضي ،واستمرار اعتداءاتها علي المواطنين الابرياء في ولايتي جنوب كردفان والنيل الازرق ونهب ممتلكاتهم وقتل من يقف في وجه مقاتليها.
«الشعبية» وتناقض المواقف
قوات الحركة الشعبية قطاع الشمال ضربت عرض الحائط بوقف إطلاق النار الذي اعلنته الحكومة يونيو العام الماضي وجددته الي يونيو المقبل ، وسقط جراء اعتداءاتها عدد من المدنيين بينهم اطفال كان اخرها هجومها علي منطقة «المشايش» 38 كيلو متراً غربي كادوقلي حاضرة ولاية جنوب كردفان، نهاية فبراير الماضي سبقته باعتداء اخر علي مناطق -الحجيرات- و-البجعاية- وطريق العباسية الرشاد، ومناطق تلودي وكالوقي وكالوبا وأبوكرشولا وقطاع أبوجبيهة بولاية جنوب كردفان ، ومارست النهب والقتل مما اسقط عددا من المدنيين بينهم اطفال.
موجة استنكار واسعة من المواطنين اعقبت هجومها علي رعاة بمنطقة «الحجيرات» بالقرب من كادوقلي في العاشر من فبراير الماضي راح ضحيته 7 اشخاص بينهم ثلاثة اطفال وجرح اخر ، ونهب 8 -مرحات- يقدر عددها بألف رأس من الماشية ذهبوا بها بحسب تصريحات الأهالي ناحية مناطق ميري وكرنقو عبد الله التي تسيطر عليها الحركة الشعبية قطاع الشمال.
وبمثل ما اثارته اعتداءات الحركة الشعبية قطاع الشمال المتكررة علي المواطنين ورفضها دخول المساعدات الإنسانية الي المناطق المتأثرة من الحرب تساؤلات حائرة ، يظل اعلانها لإطلاق الأسرى محل تساؤل عطفا علي تناقض المواقفين.
ويعضد من ذلك الاتجاه ان من بين الأسرى 22 من المعدنين أسرتهم خلال هجومها علي مناطق التعدين بولايتي جنوب كردفان والنيل الازرق ، كانت قد تراجعت عن إطلاق سراحهم نهاية يونيو الماضي مع 21 اخرين من منسوبي الحكومة .
الرضوخ تحت وطأة الضغط
وربما ارادت الحركة الشعبية من إطلاق سراح الأسرى ان تبدو وكأنها راغبة في السلام ـ من جهة اخري ـ وتجعل اعلانها بعد ذلك موافقتها علي دخول المساعدات الإنسانية الي مناطق المتأثرين مقبولا وتحفظ بها ماء وجهها دون ان يظهرها بمظهر الضعف عطفا علي تمسكها القاطع برفض دخول المساعدات الإنسانية للمتأثرين في وقت سابق الا عبر معبر خارجي وهو الامر الذي رفضته الحكومة بحجة انه يفتح الباب امام حصول مقاتلي الحركة الشعبية قطاع الشمال عل الامدادات العسكرية واللوجستية واطالة امد الحرب ، وتمسكت بدخول المساعدات عبر اراضيها وتحت اشرافها.
التراجع المحتمل لموقف الحركة الشعبية قطاع الشمال في ملف المساعدات الإنسانية ربما تم بفعل الضغط الذي ظلت تتعرض له من قبل المجتمع الدولي وخاصة الولايات المتحدة الامريكية ـ حليفها سابقا ـ ، والتي يقول مراقبون انها تتجه الي بناء علاقات استراتيجية مع حكومة الخرطوم بدأت فعليا برفع الحظر الاقتصادي نهاية ديسمبر الماضي ، وتنحو باتجاه رفع كل العقوبات المفروضة عليها بعد مهلة تنتهي يونيو المقبل .
المبعوث الامريكي دونالد بوث في اخر تصريحات له قبيل ان يدفع بتقريره الي الادارة الامريكية عن الاوضاع في السودان وسر التفاوض بين الحكومة وقوى المعارضة المسلحة والسياسية ،دمغ الحركات لحركات المسلحة بعدم الجدية وتغليبها المصالح الشخصية علي مصلحة شعوبهم.
أزمة الوضع الإنساني
وهناك ايضا ما تعانيه المناطق التي تقع تحت سيطرتها من معاناة وانعدام الأمن الغذائي بفعل انقطاع خط الامداد من جنوب السودان الذي بات يعاني هو نفسه من مجاعة اجتاحت عددا من ولاياته.
امس «السبت» حذرت الولايات المتحدة الأمريكية من انعدام الأمن الغذائي بمناطق سيطرة الحركة الشعبية شمال، في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق في غضون شهرين ما لم تتوصل حكومة السودان والحركة لاتفاق يسمح بوصول الإغاثة.
وحث القائم بأعمال سفارة الولايات المتحدة بالخرطوم أستيفن كوتسيس،الحركة الشعبية علي السماح بدخول المساعدات لمناطق سيطرتها وإلغاء الشروط السياسية التي تمنع وصول المساعدات الإنسانية للوصول للمتأثرين .
وقال في مقال له نشر امس بالصحافة، ان الاتفاق للسماح بوصول المساعدات الإنسانية أمر بالغ الأهمية لإنقاذ الأرواح ،مجددا تأكيداته باستعداد الولايات المتحدة للبدء في توصيل الإمدادات الطبية ولقاح التحصين للسكان في المناطق التي تخضع تحت سيطرة الحركة في جنوب كردفان والنيل الأزرق. وقال «بعد تفقد الإمدادات من قبل سلطات الجمارك السودانية في منفذ الدخول، ستبقي في عهدة الولايات المتحدة في جميع الأوقات حتي يتم تسليمها الي مناطق المعارضة».
الخلافات تضرب «الشعبية»
ولكن مصدرا مقربا من الحركة الشعبية قطاع الشمال ، فضل حجب اسمه ، توقع قبول «الشعبية» بالمقترح الامريكي بادخال المساعدات الإنسانية، وارجع تطور ملف الأسرى والقبول بادخال المساعدات للمعاناة التي يعيشها جنود وضباط الجيش الشعبي في مناطق سيطرتهم ، واشارت الي تملل واضح بين صفوف قيادات الجيش الشعبي بدأت تميل الي ضرورة وقف الحرب وادخال المساعدات .
وكشفت المصادر في حديثها لـ « الصحافة» عن خلافات بين القيادة السياسية لقطاع الشمال والعسكريين ،واشارت الي ان ملف الأسرى وادخال المساعدات الإنسانية كان جزءا من اسباب الخلافات و لم تستبعد ان يكون من بينها خلافات حول اموال استلمتها قيادات الحركة الشعبية السياسية،وقالت ان هناك خلافا واضحا بين ياسر عرمان ومالك عقار وبعض من القادة الميدانيين خاصة في مناطق جنوب كردفان ، بل اشارت مصادر الي ان اجراءات وقرارات الأسرى تم اتخاذها عبر قادة ميدانيين .
كودي وتناقض قطاع الشمال
رئيس الحركة الشعبية جناح السلام الفريق دانيال كودي رحب باطلاق سراح الحركة الشعبية قطاع الشمال أسرى عسكريين ومدنيين ، مؤكدا ان الخطوة تمت بضغوط خارجية ولا تعبر عن نوايا الحركة الشعبية قطاع الشمال التي وصف موقفها بالمتناقض ، مشيرا الي ان موجة من الرأي العام الدولي تشكلت ضد قطاع الشمال بعد زيارة قام بها صحفي يتبع لقناة الجزيرة الانجليزية للأسرى بمنطقة كاودا وقف فيها علي معاناتهم ومعاناة المنطقة .
وقال كودي لـ «الصحافة» امس، ان قطاع الشمال يعرض حياة الاف من مواطني المنطقتين «ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق » للموت تأثرا بالجوع والمرض برفضهم دخول المساعدات للمتأثرين من الحرب في مناطق سيطرتها هناك ويقوم باطلاق سراح عدد من الأسرى ،واضاف : هذا تناقض والاولي النظر لمعاناة الجميع ،مشيرا الي ان الخطوة لا علاقة له بنيتهم استئناف التفاوض مع الحكومة والقبول بالمقترح الامريكي الخاص بدخول المساعدات للمتأثرين من الحرب بالمنطقتين.
ونبه كودي الي ان جدية قطاع الشمال ورغبته في تحقيق السلام يجب ان يبرهن عليها بالسماح بدخول المساعدات وانقاذ الالاف من المعاناة التي يعيشون فيها.
العودة الى طاولة التفاوض
المحلل السياسي ،استاذ العلاقات الدولية د. الرشيد ابراهيم محمد ، قال ان الحركة الشعبية قطاع الشمال بحاجة الي اجراء او فعل يعيدها الي دائرة الضوء واهتمام المجتمع الدولي وخاصة من جانب الادارة الامريكية ،وانها تريد ان تختلق فرصة لتحسين صورتها امام الاسرة الدولية في ملف العمل الإنساني ،مشيرا الي انه رغم ان طابع الخطوة إنساني الا ان لايخلو من جانب سياسي .
الرشيد مضي الي ان معاناة جنوب السودان انسحبت علي قطاع الشمال وخاصة الفرقتين العاشرة والتاسعة ، مشيرا الي تناقص دعم دولة جنوب السودان لهما الي الربع ،وقال : لابد انهم الان يعانون حتي في في تأمين واعاشة هؤلا الأسرى وهو احد اسباب إطلاق سراحهم مع سعيهم تحسين صورتهم امام الاسرة الدولية ،واضاف: لن يصمدوا طويلا امام المجاعة التي ضربت جنوب السودان واجزاء من مناطق سيطرة الحركة الشعبية قطاع الشمال.
الرشيد اكد ان استمرار تعنت قيادات قطاع الشمال سيفقدهم السيطرة والتحكم في ولاء قواتهم في الميدان بالمناطق المتأثرة من الحرب ،وقال : في حالة الأزمات تعلو بعض الاصوات المعارضة وفي حالة الحركة الشعبية قطاع الشمال فان اصوات المتأثرين من القادة الميدانيين ستكون اعلي من صوت السياسيين ،لافتا الي ان إطلاق سراح الأسرى هو ابداء حسن نوايا من جانب الحركة الشعبية تمهد به لموافقتها علي دخول المساعدات الإنسانية الي المناطق المتأثرة من الحرب بهدف لملمة اطرافها.
افادات المحلل السياسي الرشيد محمد ابراهيم بما فيها اشارات بقبول الحركة الشعبية دخول المساعدات الإنسانية يحمل بين طياته احتمالا بعودتها الي طاولة التفاوض في سياق خارطة الطريق الافريقية والتي أكد سفير الاتحاد الافريقي بالخرطوم في تصريح لـ «الصحافة» قرب وصول عرابها الوسيط الافريقي ثامو امبيكي للخرطوم قبل العاشر من مارس الجاري لبحث سبل استئنافها مع الحكومة.