فرص وتحديات الحكم الصالح والمؤسسية في الواقع السياسي السوداني «2»

بهاءالدين-مكاويتناولنا في الجزء الاول من هذا المقال مفهوم الحكم الصالح ومؤشرات قياسه ، وسوف نسعى في هذا المقال الى ابراز العلاقة الجدلية بين المؤسسية من جهة والحكم الصالح أو الراشد من جهة اخرى ، وذلك للعلاقة القوية والحتمية بين المؤسسات السياسية الراسخة من جانب ، و الحكم الصالح من جانب اخر ، لانه يصعب الفصل بينهما ، فالمؤسسات الفاعلة تدعم وتقوي النظام السياسي، والنظام السياسي القوي ، كذلك ، يشجع ويدعم المؤسسات المختلفة في الدولة .
مفهوم المؤسسية واهمية المؤسسات:
يقصد بالمؤسسية الاعتماد على الأبنية والأطر الرسمية والنظامية مثل البرلمان والأحزاب وجماعات المصالح في صنع القرار السياسي، وذلك بهدف التخلص من عملية شخصنة السلطة . والمؤسسية السياسية ، بالتالي ، تشير إلى الدور الكبير الذى تضطلع به المؤسسات السياسية المختلفة فى صنع القرار ،حيث تقوم الأبنية الرسمية ـ وفقاً لصلاحياتها المنصوص عليها مسبقاً ـ باتخاذ القرارات اللازمة لتسيير شؤون الحكم والسياسة ،على أسس موضوعية بعيداً عن الرغبات الذاتية والمصالح الشخصية لصناع القرار ، وذلك خلافاً للأنظمة التي تفتقر الى المؤسسية و التي تعانى من شخصنة السلطة وتمحورها حول الأشخاص ،وتتضاءل فيها دور المؤسسات التى تصبح ـ إن وجدت ـ مجرد لافتات لا دور لها ولا قيمة ، وهو ما يشير الى ضعف أو غياب الفاعلية المؤسسية.
تلعب المؤسسات دوراً أساسياً وحيوياً في الواقع السياسي ، لأنها تضمن تنمية سياسية مترابطة تتعلق بالمصلحة العامة، كذلك فان دعم المؤسسات القوية والمعقدة والفاعلة من شأنه ان ينضج القرارات الحكومية ويعمل على انفاذها، و في الواقع فان المؤسسات هي التي ينبغي أن تحدد الأهداف العامة للمجتمع ، وسبل تحقيق هذه الأهداف، وهي تمثل رأس الرمح في سعي المجتمع لتحقيق أهدافه وتطلعاته. وتوصف الانظمة السياسية التي تفتقر الى المؤسسات بأنها « ضعيفة وسيئة» لأنها عاجزة عن تحقيق المصالح سواء كانت مصالح خاصة او عامة .
يقول صامويل هنتغتون « إن وجود مؤسسات سياسية قادرة على بلورة المصالح العامة هو ما يميز ، سياسياً، المجتمعات المتطورة عن المجتمعات المتخلفة ، كما انه يميز بين المجتمعات الأخلاقية واللا أخلاقية . فالحكم الذي يتدنى مستواه المؤسساتي لا يكون مجرد حكم ضعيف ، بل هو حكم ردئ… ان وظيفة الحكم هي ان يحكم . والحكم الضعيف ، أي الذي يفتقر الى السلطة ، يخفق في أداء وظيفته ، ويكون لا أخلاقياً بالمعنى نفسه الذي يعتبر فيه لا أخلاقياً القاضي المفسد ، أو الجندي الجبان ، أو المعلم الجاهل « .
وبالطبع لا نقصد هنا المؤسسات الحكومية فقط ، اذ نقصد بها ، بالاضافة للمؤسسات الرسمية : كالسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ،المؤسسات الاجتماعية كالاسرة والمؤسسات الاقتصادية و المؤسسات التعليمية والمؤسسات الدينية.
وتــرتبط المؤسسية بعدد من المبادئ السياسية الأخرى التى لا يمكن تطبيق المؤسسية بمعزل عنها. من هذه المبادئ : الشـفافية، وحكم القانون، والمحاسبية. وتعد هذه المبادئ – بالإضافة الى المشاركة، والفاعلية، والانصاف ، واحترام حقوق الإنسان- هى أسس الحكم الصالح كما اشرنا لذلك في مقالنا السابق .
العلاقة بين المؤسسية والحكم الصالح : في الواقع ، يتعذر وجود حكم صالح في غياب المؤسسية لأن المؤسسية تعد العمود الفقري للحكم الصالح ، وذلك لأن جميع مؤشرات الحكم الصالح لا يمكن أن تتحقق في ظل نظام يفتقر الى المؤسسية ، فالمشاركة الفعالة للمواطنين لا تتحقق ما لم تكن هناك مؤسسات تنظم عملية المشاركة وتدعو لها وتشجع عليها وتضمن حرية المواطنين في إبداء الآراء التي يرونها وهو ما يتطلب سلطة قضائية مستقلة وقوانين تضمن عدم مساءلة المواطنين حيال اراء يعتقدونها .
كذلك فان حكم القانون والذي يشير إلى مرجعية القانون وسيادته على الجميع دون إستثناء، يتطلب مؤسسات دستورية تحمي هذا الحق ، وتحتاج الشفافية الى مؤسسات توفر المعلومات المتعلقة بالقرارات الحكومية بحيث تكون شاملة وصحيحة وتقدم عند الطلب ، وما لم توجد هذه المؤسسات وتعطى صلاحيات تزويد المواطنين بالمعلومات التي يطلبونها ، فلن تكون هناك شفافية ، وهي عنصر اساسي في الحكم الصالح ، كذلك فان من سمات الحكم الصالح حسن الاستجابة ، ولن يكون النظام السياسي قادراً على الاستجابة لمطالب بيئته السياسية ما لم تكن هناك مؤسسات سياسية فاعلة تتلقى المطالب وتتعامل معها بموضوعية ووفقاً لمعايير محددة وترد على المطالب بالسرعة المطلوبة .
من شروط الحكم الصالح كذلك التوفيق بين المصالح المتضاربة ، ويحتاج التوفيق بين هذه المصالح إلى مؤسسات حيادية ، وتعمل وفق معايير واضحة ومعلومة للجميع ، حتى تكون قادرة على توزيع الموارد بين الجماعات المختلفة بصورة مقنعة وموضوعية وعادلة .
كذلك يتميز الحكم الصالح بالفعالية في تنفيذ المشروعات على اساس ادارة عقلانية ، ولا يمكن تصور تحقيق هذا الهدف دون وجود مؤسسات راسخة وذات كفاءة عالية بحيث تكون قادرة على ترشيد الموارد على أسس عقلانية بما يمكن النظام السياسي من تعظيم المكاسب وتقليل الخسائر إلى الحد الأدنى .
كما أن المحاسبة والمساءلة السياسية والإدارية للمسؤولين ، والرقابة الاستراتيجية تحتاج الى مؤسسات فاعلة لممارسة الرقابة والمساءلة والمحاسبة .
وهكذا تتضح العلاقة الوطيدة والصلة القوية بين المؤسسية من جانب والحكم الراشد من جانب اخر ، بما يجعل من الصعب الحديث عن حكم صالح دون وجود للمؤسسية الراسخة في كل مفاصل النظام السياسي.
تحديات المؤسسية والحكم الصالح :
تواجه المؤسسية والحكم الصالح عددا من التحديات ، من ابرزها الثقة في المؤسسات ، وما لم تتوفر الثقة التامة في المؤسسات السياسية وما لم تحصل القناعة باهميتها ، فانها لن تؤدي دورها بفاعلية لانها ستفقد حينئذ الدعم الشعبي المطلوب لبقائها واستمرارها ، كما ستفقد الاحترام اللازم للقرارات الصادرة عنها او السياسات التي تتبعها.
ففي المجتمعات التقليدية يكون التعويل على الاشخاص اكثر من المؤسسات ، ففي الأحزاب السياسية يختصر الحزب في رئيس الحزب وهو ما قاد الى انتشار الاحزاب الشخصية ، كما قاد الى انقسامات في بنية هذه الاحزاب ، وفي كثير من الاحزاب السياسية يبقى رئيس الحزب في موقعه حتى توافيه المنية ، بينما تتململ القيادات الشابة التي تطمح للترقي في سلم القيادة فيقود ذلك الى انشقاق الحزب ، وتعاني منظمات المجتمع المدني هي الأخرى من نفس المشكلة ، وتسود هذه الظاهرة في كل البيئة السياسية من السلطة التنفيذية الى البيروقراطية الى القطاع الخاص .
ويعود السبب في ذلك الى ضعف الوعي السياسي والاجتماعي والثقافي لدى قطاعات واسعة من المواطنين في هذه البلدان ، وبسبب سيادة القيم التقليدية التي تعلى من قيمة الافراد حتى تصل بهم الى مرحلة التقديس ، وبالطبع فان هناك علاقة طردية بين المؤسسية والوعي ، فكلما زاد الوعي العام ، كلما ازدادت الفرص في ايجاد نظام مؤسسي ، وكلما تدني الوعي العام في المجتمع ، كلما زادت فرص الانظمة غير المؤسسية ، وبالتالي فان توفير الثقة في المؤسسات السياسية يتطلب تنشئة سياسية للجماهير من خلال غرس ثقافة سياسية تدعو إلى المؤسسية ، وتعلي من قيمة المؤسسات ، وتشرح دورها الايجابي في العملية السياسية .
محاصرة الفساد:ـ
هناك علاقة جدلية بين الفساد والمؤسسية ، فغياب المؤسسية يقود الى انتشار الفساد ، لأن المؤسسية تعمل على تحقيق المصلحة العامة وليس المصالح الخاصة التي هي مظنة الفساد والافساد، لان تقديم المصالح الخاصة على حساب المصلحة العامة يعد بحد ذاته فساداً.
لكن الذي يعنينا في هذا المقام هو تأثير الفساد على المؤسسية ، ويمكن القول بشكل عام ان الفساد يمثل عقبة رئيسة في سبيل انشاء مؤسسات فاعلة ، لان قيام مؤسسات فاعلة من شأنه محاصرة الفساد والقضاء عليه ، لذلك فان الطغمة الفاسدة تعمل جاهدة للحيلولة دون قيام مثل هذه المؤسسات حفاظاً على مصالحها ، واذا وجدت المؤسسات فان هذه الجماعات تسعى الى تجريدها من صلاحياتها ، ومن ثم افراغها من محتواها ، والسعي لتحويل هذه الصلاحيات الى طغمة فاسدة متنفذة مستخدمة في ذلك شتى الأساليب والحيل ، والالتفاف على القوانين وذلك حتى تضمن انسياب مصالحها بصورة سلسة ومستمرة من خلال التحالف بين البيروقراطية الفاسدة وأصحاب المصالح
وهذا يقودنا إلى الحديث عن نقطة أخرى وهي أنه قد توجد في بعض الحالات مؤسسات مزودة بالصلاحيات اللازمة لتحقيق المصلحة العامة ، لكن الذين يحتلون المواقع القيادية في هذه المؤسسات يتميزون بالفساد المالي والاداري، فيوجهون هذه المؤسسات لخدمة مصالحهم الخاصة وليس لخدمة الصالح العام، وهكذا يلعب الفساد دوراً مقدراً في الحيلولة دون قيام مؤسسات فاعلة ، وفي حالة وجود هذه المؤسسات فانه يتم توجيهها لخدمة فئات معينة على حساب المصلحة العامة للمجتمع .
تحقيق التمثيل المتوازن للفئات المجتمعية المختلفة في المؤسسات السياسية :
ان عدم وجود تمثيل متوازن للفئات المختلفة داخل المؤسسات السياسية من شأنه ان يجعل القرارات الصادرة عن هذه المؤسسات منحازة الى الفئات الممثلة في هذه المؤسسات على حساب الفئات غير الممثلة فيها ، وهذا يقدح في حيادية هذه المؤسسات التي تغدو ـ حينئذ ـ أوليغارشية تعمل على تحقيق مصالحها دون اهتمام بمصالح الفئات الاخرى في المجتمع .
لكن مكمن الخطورة في مثل هذا السلوك هو انه يثير حفيظة الجماعات غير الممثلة، ويؤدي ـ تدريجياً ـ الى التأثير على شرعية النظام السياسي وذلك حين تشعر هذه الجماعات انها مطالبة بتنفيذ القرارات الصادرة عن هذه المؤسسات دون ان تجني ثمار هذا الالتزام السياسي ، فتتولد لديها الرغبة في عدم التفاعل مع هذه القرارات ، بل يتحول هذا الشعور في بعض الاحيان الى نوع من التمرد الذي قد يهدد أو يعصف ـ في بعض الحالات ـ بالاستقرار السياسي.
إعمال الشفافية :
تمثل الشفافية العاصم الرئيس للمؤسسات السياسية من التمييز بين الجماعات المختلفة التي يتشكل منها النظام السياسي ، كما انها تدعم الثقة بين الاطراف المختلفة في داخله ، فحينما تسود الشفافية وتكون المعلومات حول القرارات التي تتخذها السلطة متوفرة وفي متناول الجميع ، تتوخى السلطة ان تكون هذه القرارات متوازنة ومعبرة عن مصالح الجماعات المختلفة ، لأنه يتاح ، حينئذ ، للجماعات التي تستشعر التهميش او عدم الاهتمام الكافي ان تحتج وتعترض وتشتكي ، اما في حالة غياب الشفافية أي حينما تتمكن الجهات المسؤولة من اخفاء المعلومات ، يمكنها حينئذ ان تتخذ قرارات غير محايدة ، وتضر بمصالح بعض الفئات ، لذلك فان الشفافية هي الترياق المضاد للفساد بكل انواعه واشكاله.
إن توافر وانسياب المعلومات الصحيحة والكاملة حول الموضوعات المتعلقة بسياسات السلطة والقرارات التي اتخذتها أو ستتخذها وفي الوقت المحدد ، من شأنه ان يدعم الثقة بين مكونات النظام السياسي ، ويقرب بين السلطة الحاكمة والجماعات المحكومة ، ويزيد من شرعية الحكومة في نظر المواطنين .
وهكذا فان غياب الشفافية يعد من العقبات الاساسية التي تعوق المؤسسية وتضر بنظام الحكم ، كما أن توفر هذه الشفافية من شأنه تقوية العلاقة بين مكونات النظام السياسي ، ودعم المؤسسات السياسية وتقويتها ، وتعزيز صورتها وشرعيتها في نظر الجماهير .