طروس كبير العسس والبصاصين (5)

423(1)
ذكرنا في ما سبق ان الفريق عبد الوهاب ابراهيم، رئيس جهاز الامن ووزير الداخلية الأسبق، احتج في معرض الرد على سيول الدعاوى ضده من قادة وكادرات الجبهة الوطنية المعارضة لنظام مايو، بأن مايو لم تعرف مركز قوة بخلاف جعفر نميري. ثم أكد أنه شخصيا لم يضمر العداء للمصالحة وعناصرها، كما ردد هؤلاء بغير علم ولا هدى. غير ان القارئ يلمس بعض مشاعر الرجل الحقيقية من سطور متناثرة هنا وهناك من اوراق المذكرات.
و قد خلصت من جانبي الى نتيجة عمودها أن الفريق لم يكن في خويصة نفسه راضيا عن المصالحة. و لكن ذلك لم يكن لسبب يتصل بنظرة سالبة لقيادات وعناصر الجبهة الوطنية أو تشكك في جدوى المصالحة ونتائجها، و أنما كان الدافع الرئيس يتخلق من واقع رؤية أمنية استراتيجية احترافية. وهو أمر يتجلى في أوضح صوره عندما نتأمل وقائع اجتماع لمجلس الأمن القومي تساءل فيه الفريق عبد الوهاب عن سبب إبعاد الحزب الشيوعي السوداني من المصالحة، وقد ورد على لسان الفريق: ( إنها لو كانت مصالحة وطنية حقا فإنها يجب أن تضم كل المعارضين ).
وقد كان رد فعل جعفر نميري في مواجهة هذا الحديث هو الغضب العارم و مغادرة مكان الاجتماع. و يتضح من ذلك جليا أن صاحبنا كان يعتقد أن إطلاق سراح الإسلاميين وعناصر الأحزاب التقليدية من السجون و إدغامهم فى برنامج مصالحة قومية يتضمن إشراك هذه القوى في السلطة، ينبغى أن يوازيه من المنظور الأمني الإستراتيجي معاملة بالمثل للتيار اليساري المضاد و المعارض المتمثل في الحزب الشيوعي و كوادره التي كانت موزعة بين السجون والمنافي.
(2)
و لكن المصالحة الوطنية لم تأت من فراغ، والواقع أن حركة الغزو العسكري المسلح، التي شهدتها البلاد في الثاني من يونيو 1976، والنجاح النسبي الذي حققته في السيطرة على العاصمة لبعض الوقت كان لها القدح المعلى في بلورة قناعة الرئيس نميري بضرورة التوصل الى حل سلمي تصالحي مع الجبهة. و قد يصح السؤال هنا: كيف ولماذا نجحت الجبهة في تنظيم و شن ذلك الهجوم المروع على العاصمة؟ و ما هو تفسير الفريق عبد الوهاب الذي كان المسؤول الأول عن الأمن العام في البلاد لذلك؟
نجد عند الرجل معلومة ساطعة تتصل بعملية الغزو وقفت عليها للمرة الأولى وأنا أطالع المذكرات، وجوهر المعلومة هو أن جهاز الأمن العام كان على علم شبه تفصيلي بمخطط غزو العاصمة، فقد تقدم الى السلطات المواطن حامد الناير، الذي يملك ويدير ورشة حدادة بالخرطوم، بمعلومات مفادها أن بعض عناصر الجبهة الوطنية كلفته شخصيا بمهمة تأجير و تجهيز منازل لاستقبال مقاتلين سيشاركون في عملية غزو مسلح للعاصمة في موعد قريب، و ذلك فضلا عن تفصيلات أخرى تتعلق بهذه التدبيرات.
وبطبيعة الحال فإن التساؤل المنطقي الذي يتولد عن كل هذا هو: لماذا أذن نجحت قوات الجبهة الوطنية في اختراق العاصمة بقيادة العميد محمد نور سعد طالما أن خططها و نواياها كانت مكشوفة للحكومة وجهاز أمنها العام؟ و الإجابة التي نستشفها من إفادات الفريق عبد الوهاب هي أنه برغم كل الجهود التي يقوم بها جهاز الأمن فإن الدفاع عن العاصمة يظل مسؤولية أصيلة للقوات المسلحة، غير أن الاستخبارات العسكرية – لسوء الحظ أو لحُسنه، بحسب موقع القارئ من النزاع – لم تأخذ مأخذ الجد المعلومات التي تقدم بها المواطن حامد الناير وأستهانت بها. و قد شاءت أقدار الله أن يكون قائد الاستخبارات العسكرية العميد محمد يحى منور من أول القتلى غداة الغزو. تغمده الله برحمته.
(3)
و هناك مواقف عديدة تبعث على التأمل حول طبيعة العمل الأمني والتخابري الذي أشرف عليه صاحبنا سنوات طويلة. فقبل عملية الغزو المسلح في يونيو 1976 مباشرة كان الدكتور حسن الترابي قد كتب مذكرة مستفيضة ناقش فيها نشاط وفاعلية الجبهة الوطنية وتضمنت المذكرة نقدا عنيفا لحزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي. وبرغم أن المذكرة كانت على درجة عالية من السرية بطبيعة الحال فإن نسخة منها أنتهت الى حوزة جهاز الأمن العام بعد ساعات من كتابتها. و بعد الاطلاع على محتوياتها قام الجهاز بتسريبها الى قادة و كادرات حزبي الأمة و الاتحادي بعد أن قدّر أن مثل هذا التسريب سيؤدي الى إحداث شرخ بين هؤلاء وحليفهم الترابي.
وبعد سنوات بعث الترابي – الذي لم يستطع نسيان هذه الواقعة – بصديق مشترك، هو الدكتور مبارك علي كرار أبو الزينة، عميد كلية الصيدلة الأسبق، الى الفريق عبد الوهاب ملتمسا أن يُنبئه بالوسيلة التي حصل بها الأمن على تلك المذكرة. ولم يقم صاحبنا بتقديم إجابة محددة في حينها، و أكتفى بالقول إنه (لا جدوى من جهاز أمن لا يخترق التنظيمات المعارضة).
غير أنه يقدم في الكتاب إجابة مباشرة، لا لفّ فيها و لا دوران، و هي أن أحد أعضاء تنظيم الإخوان المسلمين سلم المذكرة لجهاز الأمن بدون مقابل مادي. ثم يضيف (ومثل هذا كثير في مختلف الاتجاهات السياسية)!
أما على مستوى العمل الاستخباري المضاد، أو ما يُعرف بالمخابرات المضادة، فإن و احدة من النماذج اللافتة التي سلط عليها الفريق ضوءا كثيفا هي واقعة ضبط واعتقال ثم أطلاق سراح عميل للمخابرات السوفيتية كان يعمل تحت صفة دبلوماسية عام 1975 بالخرطوم. و قد تمت عملية المداهمة و الاعتقال في بار إسكرابيه بالخرطوم بينما كان الدبلوماسي الاستخباري مستغرقا في مهمة تجسسية مع مصدر سوداني ويقوم بتسليمه مبلغا ماليا، ولم يكن العميل الروسي يعلم أن شخصية المصدر كان يتقمصها المرحوم الضابط الرشيد مكي من جهاز الأمن العام.
(4)
و بالرغم من أن المذكرات يغلب عليها طابع الجدية الشديدة فإنها لا تخلو من مشاهد و مواقف غاية في الطرافة. ومن ذلك موقف المهندس صديق يوسف إبراهيم النور، وهو كادر قيادي شيوعي نشط كما هو معلوم. وعند استدعائه فى إحدى المرات الى جهاز الأمن لاستجوابه في أمور تتصل بنشاطه الحزبي سأله المحقق عن عضويته في الحزب الشيوعي فأكدها، ثم سأله عن كيفية تجنيده و دخوله في الحزب، فلم يتردد الرجل و لم يطرف له جفن، وأجاب بكل ثقة: (الذي جندني لعضوية الحزب الشيوعي هو عبد الوهاب إبراهيم سليمان)، و هي إفادة غير صحيحة. ولكن الضابط المحقق ارتج عليه و هرول منزعجا مضطربا الى رئيس جهاز الأمن، الذى هدّأ من روعه وووجهه بمواصلة التحقيق و تسجيل كل إفادات المحقق معه طالما كانت هي أقواله!