خليكم مع العفش

480بعث لي مهاجر سوداني مقيم بالخارج برسالة إيميلية، أتجاوز هنا ما حملته من إطراء الى سؤال يخص شخصنا الضعيف سأتجاوزه أيضا الى القضية العامة التي يستبطنها، ولأنها قضية عامة رأيت أن أعمم ردي له للناس عامة ، ولم أجد ردا على القضية التي طرحها أفضل من الطرفة الذائعة «معانا ولا مع التانين » …
والطرفة التي حكيتها غير مرة تحكي عن شاب ساقه حظه التعيس للدخول إلى حارة من حارات الباطنية في القاهرة، فإذا به فجأة يجد نفسه وجهاً لوجه أمام عصابة مسلحة، بادره زعيمها بالسؤال «إنت معانا ولا مع التانين»، صعق الشاب من هذا السؤال مجهول الغرض، رفع رأسه وحدق في عيون أفراد العصابة عله يجد فيها ما يعينه على فهم السؤال، فوجدها حمراء يقدح منها الشرر، فكر سريعاً، واهتدى للإجابة التي ظن أنها ستدرأ عنه هذا الشر، فقال بثقة وثبات «أنا معكم يا بهوات»، ولكنه يا لهوله فبدلاً من التهنئة التي كان يتوقعها انهالت عليه اللكمات والضربات وسيل من الشتائم واللعنات التي كان يتلقاها مع إفادة مؤداها «إحنا التانين يا روح أمك»، وكان ذاك درسا استفاد منه راوي الطرفة عندما وجد نفسه في موقف مماثل وطُرح عليه ذات السؤال «إنت معانا ولا مع التانين»، فلم يتردد ولم يتلعثم ولم يتفاجأ بل وضع يده اليمنى على جنبه الأيمن واليسرى على الأيسر وهزّ كتفيه كناية عن الاستهتار وقال «أنا مع العفش»، فانخرط أفراد العصابة في نوبة هستيرية من الضحك استغرب لها هو نفسه، فظل يردد وهو يسير بخطى وئيدة مبتعداً عن قبضة العصابة «عالم فاضية.. عالم وهم».. الشاهد هنا أن مكيال معانا ولا مع التانين أو في رواية أخرى معانا ولا مع الخيانة، مكيال خاسر يطففون به الكيل من يكيلون به، ونهج المع والضد نهج ظالم وثنائية مقيتة خاصة إذا انتهجها من يلي أمرا من أمور العباد كبر أو صغر ، ولكنه للأسف ظل فاشياً فينا وحاكماً ومتحكماً في الكثير من أوجه حياتنا، وقد أحدث نهج «معانا ولا مع الخيانة» فرزاً مزلزلاً في أوساط المجتمع قسّمه إلى فسطاطين، فسطاط المعانا وفسطاط الخيانة، ولن تحتاجوا مني لكثير حديث فذلك ملف طويل وعريض، وانما نحن في حاجة ملحة وعاجلة إلى حكمة ذلك الراوي في أن نكون جميعنا مع «العفش» هذا الوطن الحدادي مدادي بكل ألوان طيفه «لا مع هؤلاء ولا مع التانين» بل مع هذا الوطن وشعب الوطن قلباً وقالباً.. وخليكم سودانيين..