المخابرات المصرية والسقوط المستمر في ورقة امتحان السودان

الخرطوم: محفوظ عابدين

ALSAHAFA9-3-2017-4

منذ انشاء جهاز المخابرات العامة المصرية في العام 1954م في عهد جمال عبد الناصر ،وتولي زكريا محي الدين رئاسته في ذلك العام لم يكن لرؤساء جهاز المخابرات المصرية الذين تعاقبوا عليه والذين بلغ عددهم حتى الان حوالي عشرين مديرا لم يكن لهم ظهور كبير فى المشهد السوداني بالرغم من ان ملف السودان لم يخرج من يد جهاز المخابرات العامة المصرية ولم يسند الى اي جهة اخرى ، ويعتبر مدير المخابرات صلاح نصر الذي تولى ادارة الجهاز في الفترة من (1957الى 1967م) هو اكثر اسماء مديري جهاز المخابرات المصري ظهورا في التاريح السياسي للسودان، ثم تلاه في قائمة الظهور في الشأن السوداني اللواء عمر سليمان الذي تولى ادارة المخابرات في الفترة ( 1993م الى 2011م) .
وبالنظر الى هاتين الفترتين نجد انهما مرتا بأحداث مهمة في تاريخ السودان السياسي ففي فترة صلاح نصر (1957-1967م) في خلال هذه الفترة كان السودان قد امضى عاما كاملا على استقلاله من الاستعمار الانجليزي المصري ، وبالتالي كان على مصر ان تكثف من وجودها بعد خروجها الرسمي مع الانجليز وكانت هذه الفترة محل عمل مكثف لرجل المخابرات الاول صلاح نصر في السودان كما شهدت بذلك احداث موثقة في تاريخ السودان السياسي ، وخلال فترة صلاح نصر مرت ثلاث حكومات على السودان ، حكومة الازهرى الاولى ثم حكومة عبود ثم الازهري الثانية وخلال فترة الرئيس عبود انجزت الحكومة المصرية اكبر مشروعاتها الاستراتيجية على اراض سودانية وهو مشروع السد العالي الذي يوفر الكهرباء لكل مصر السكانية والزراعية والصناعية والاستراتجية ، وفي نهاية عهد صلاح نصر كانت الاحدث الابرز هي(نكسة 67) وهو انتصار اسرائيل في معركتها مع مصر والتي تمثل الامة العربية ، وكان للسودان دور بارز في تضميد الجرح المصري وبالجهود التي قام بها رئيس الوزراء السوداني محمد احمد محجوب وسط الزعماء والرؤساء العرب وانعقاد قمة اللاءات الثلاث بالخرطوم التي اعادت الى مصر الطمأنينة من جديد وعادت الى الحضن العربي لتشعر بالدفء الذي فقدته نتيجة لسياستها التي جانبها التقدير الصحيح في ذلك الوقت .
ونجد خلال فترة اللواء صلاح نصر(1957-1967م) ان السودان قدم اكبر خدمة لمصر ، كان لها اثرها البالغ في مستقبل مصر السياسي والاستراتيجي والاقتصادي ، ولم يكن السودان حين قدم هذه الخدمات الضخمة لم يكن ينظر الى هذه الخدمة بعين المصالح كما يحدث في العالم اليوم او أسلوب (قدم السبت لتجد الأحد ) وانما السودان قدم هذه الاعمال التي اعادت الى مصر توازنها من باب الاخوة الصادقة ، ولكن يبدو ان مصر لم تنظر اليها من هذا الباب .
اما فترة اللواء عمر سليمان (1993-2011م) والتي امتدت الى (17) عاما كانت هي ايضا من الفترات التي كان للمخابرات المصرية ظهور في الشأن السودان بصورة أكبر من فترة اللواء صلاح نصر ، وذلك ان فترة اللواء عمر سليمان شهدت احداثا كبيرا منها تزايد نشاط المعارضة السودانية المسلحة وأثره على السودان في ذلك الوقت ، وماتلى ذلك من مفاوضات السلام في نيفاشا والتي انتهت بتوقيع اتفاقية السلام في 2005م وماترتب عليها من انفصال الجنوب في عام 2011م ، وكانت لهذه التطورات السياسية في السودان حسابات بالغة الحساسية والتعقيد بالنسبة لمستقبل مصر خاصة فيما يتعلق بالخوف المصري من اتفاقية مياه النيل ودخول عضو جديد في دول حوض النيل ، وما يترب على ذلك من حصتها ومستقبلها المرتبط اصلا بمياه النيل .
والمخابرات المصرية رغم تاريخها الطويل الذي تجاوز الستين عاما ورغم ان ملف السودان كان بيدها منذ ذلك التاريخ لم تنجح المخابرات المصرية في الشأن السوداني بالرغم ان هنالك فترات من تاريخ السودان السياسي كانت موالية لمصر تماما ، وبعد مجيء الانقاذ تواتر في تلك الفترة ثلاثة رؤساء لجهاز المخابرات المصرية في الفترة من( 1989- 1993م) وهم بالترتيب أمين نمر من (1986-1989م) وعمر نجم (1989-1991م) ونور الدين عفيفي (1991-1993م) وهي فترة يبدو ان جهاز المخابرات ، لم يحسن تقديرات التغيير الذي حدث في السودان ، ويبدو ان التغييرات الكثيرة في هذه الفترة ماهي الا تقديرات من القيادة المصرية في فشل اكبر اجهزتها والتي تزعم انها الاقوى في المنطقة بما فيها جهاز الموساد الاسرائيلي، في تقييم حدث مهم مثل الذي حدث في السودان في العام (1989م).
والمخابرات تواصل فشلها الذريع في الشأن السوداني ، و عندما يتحدث السيد الرئيس الجمهورية عمر البشير في لقاء اعلامي تناقلته كل الوسائط ، ويتهم المخابرات المصرية بدعم المعارضة السودانية ، ويقول عندما نعرض عليهم الأمر يحاولون ان ينكروا، ولكن نعطهيم ، الاسماء والعناوين ، ولم يرد السودان بدعم معارضين مصريين ، وحفظ البشير للرئيس السيسي حقة ووصفه بأن رجل صادق وعلاقته به مميزة .
وحديث الرئيس عن المعارضين السودانيين المتواجدين في مصر ومعرفة السودان بأسمائهم ومواقعهم في مصر ، وهذه ايضا تحسب في غير صالح المخابرات المصرية ، وامس الاول نشرت الصحف السودانية ان المخابرات المصرية كثفت من لقاءاتها بالمعارضة السودانية المسلحة وعقدت اجتماعات من مجموعتين من حركتي العدل والمساواة الاولى مجموعة جبريل ابراهيم والثانية حركة العدل والمساوة الجديدة التي يقودها منصور أرباب ، وذكر الخبر الذي نشر في أكثر من صحيفة ، أسماء المعارضين السودانيين وحركاتهم ومواقع تلك اللقاءت التي تمت داخل مصر وخارجها ، وبالتالي هذا الخبر يمثل فشلا وسقوطا للمخابرات المصرية في إمتحان الشأن السوداني .
ويكفي السودان نجاحا وتقدما على مصر هو فشل جهاز مخابراتها في تحديد هوية ثورة الانقاذ الوطني ، و نجاحه الكبير في تعامله مع قضايا إقليمية ودولية قد أكسبه احترام وتقدير العالم ، وقد يلاحظ بعض المراقبين انزعاجا مصريا من التقارب ورفع الحظر عن السودان مما يشير الى ان المخابرات المصرية لم تكن ترغب في السودان الآمن والمستقر.
والامر الثاني ان جهاز المخابرات المصري نفذ قافلة طبية الى محافظة اسيوط بالضبط قبل عام من الان ونفذ هذه القافلة في مارس 2016م وقد اثارت هذه الخطوة موجة من التعليقات والانتقادات الواسعة من مغردين في وسائل التواصل الاجتماعي ، باعتبار ان الجهاز خرج من سريته التي عرف بها منذ نشأته في عام 1954م وكان رئيس المخابرات يظل اسمه سرا ناهيك عن سيرته الذاتية ولايعرفه الا كبار قيادات الدولة، وان جهاز المخابرات المصري لم يعرف الانفتاح على المجتمع المصري الا قبل عام واحد ، وهذا يكشف التقدم الكبير لجهاز الامن والمخابرات الوطني السوداني والذي كان منفتحا مع المجتمع السوداني وكان حاضرا في كل المجالات الثقافية والرياضية ، وكان جهاز الامن والمخابرات الوطني حاضرا في قضايا المجتمع السوداني بكل اتجاهاتها، وان الانفتاح الذي قاده جهازنا يحسب له لانه كان سباقا قبل كل الاجهزة النظيرة في المنطقة التي تدعي انها الاقدم والأعرق و الاقوى .