رحمة الخلاف

420(1)
٭ مما لا شك فيه أن ثمة أعداء يتربصون بالاسلام، ويعادون مسيرة الرسل والأنبياء في كل حين وزمان، قال تعالى «كذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين» سورة الفرقان (231)، ولا يرضى هؤلاء الأعداء للأمة التوحد والانتشار، ويسعون بكل وسيلة لتوسيع الخلاف واحداث الشقاق..
٭ ومع أن الاختلاف في الآراء والمواقف سمة الحياة وناموسها، ففي التعدد رحمة وسعة، وكما يقول الفقهاء ان الاختلاف في فروع الدين ضرورة ورحمة وسعة، وكما يقول الشيخ يوسف القرضاوي فإن هذا مقتضى (طبيعة الدين، وطبيعة اللغة، وطبيعة البشر وطبيعة الكون والحياة)، ولهذا وضع العلماء والفقهاء للخلاف آدابا وشروطا وقواعد، حتى لا يتحول لحالة من التناحر والتنطع والشقاق.
(2)
٭ يقول الامام ابن القيم في أعلام الموقعين «وقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لا بد منه لتفاوت أغراضهم وأفهامهم وقوى ادراكهم، ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض وعداوته»، بل دعانا الاسلام لمقاتلة من يبغي على أخيه من بعد بذل الجهد للاصلاح والتوفيق «وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى، قاتلوا التي تبغى حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فإصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين» الحجرات (9).
٭ ولأن التنازع سبب للفشل «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم» الانفال (46)، بل ان التآلف والتآخي نعمة من الله سبحانه وتعالى «وأذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته أخوانا» آل عمران (103)، والالفة والاصلاح عماد التقوى «فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم..» الانفال (1).
٭ فالخلاف سنة كونية، نداريه بالتقوى والصلاح، وكما قال صلى الله عليه وسلم: «إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً».
(3)
٭ في الروايات ان الامام مالك قال للخليفة العباس حينما أراد حمل الناس على الموطأ وهو كتاب وخلاصة اختياره في الحديث والفقه «لا تفعل هذا يا أمير المؤمنين لأن لكل قطر علماءه وآراءه الفقهية»..
٭ فلكل زمان اختيار ولكل بلد ظرف، ولكل علماء بلد رؤية واستنباط.
٭ ووضعت للخلاف أسباب وفوائد حيث نتعرف على آراء واسعة واحتمالات متعددة ونروض أذهاننا بالنقاش والاجتهاد، ونعزز الثقة بأنفسنا ونتدبر في المعاني ونستخرج اللطائف.. وعلينا أن نوسع صدورنا للآراء والاجتهادات وللأفكار مادامت في حدود الخلاف ورهينة بالشروط دون خروج على صحيح الدين من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
٭ ونتذكر – دائماً – أن اتساع الخلاف مدعاة للشقاق وتشتيت قدرة الأمة ووحدتها وارادتها واضعاف قدرة الفعل عندها.. وتهيب الاجتهاد انما يؤدي إلى الجمود والخمول والكسل وهذا دين حياة يواكب كل عصر وزمان..
والله المستعان