الاهتمام بالزراعة.. المدخل لحل مشكلة سعر الصرف

06-08-2016-08-4 لن ينفعنا ترديد مقولة أنّ السودان بلد زراعي من الدرجة الأولى ما لم يتم اهتمام حقيقي بالزراعة بشقيها النباتي والحيواني، ولن يأبه لنا أحد عندما نذكر التاريخ الزاهي للزراعة في السودان، لأنّ التغني بالأمجاد الغابرة هو صفة «العاجزين عن التمام».. العالم يتغير بسرعة وتواجهه مشكلة نقص الغذاء، والغريب كأننا لم نسمع بهذه الفرضية. فلا بد للحكومة أن تسخر كل امكاناتها لتطوير الزراعة وفق خطة عاجلة غير آجلة، والحديث عن أنّ الزراعة شأن أهلي يقع على عاتق القطاع الخاص «ما بحلنا» لأنّ جوهر ما يعانيه اقتصادنا هو نقص الإنتاج والإنتاجية رغم توفر الإمكانات اللازمة للزراعة وزيادة الإنتاج، ذلك أن القطاع الزراعي يعتبر بلا منازع القطاع الرائد والمحرك للاقتصاد السوداني إذ يساهم بشقيه ــ النباتي والحيواني ــ بحوالى 31.3% من الناتج المحلي الإجمالي، ويعتمد عليه أكثر من 70% من جملة سكان السودان في توفير قوتهم ويستوعب أكثر من 57% من القوى العاملة، كما أن القطاع الزراعي يحرّك معه قطاعات أخرى في الريف في مجال الصناعات الزراعية، حيث توفر الزراعة مدخلات إنتاج الصناعات التحويلية كالزيوت والسكر والنسيج. وتمثل الزراعة فوق ذلك حراكاً اقتصادياً وخدمياً واجتماعياً لجميع قطاعات وفئات المجتمع مثل خدمات النقل الداخلي والخارجي وتحريك الأسواق والصادر، ويعتبر القطاع الزراعي الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة والأمن الغذائي بالبلاد. وتطوير الزراعة يتم بقيادة الحكومة لمبادرات قوية تدفع وتحفز مؤسسات قائمة للعمل وتقديم الاستشارات لها، ودفع المستثمرين بالداخل والخارج للعمل على إنشاء المشروعات وإحياء المبادرات غير الرسمية لتعزيز قدرات الاقتصاد الوطني وفتح قنوات للتمويل والائتمان الزراعي في مجال الصناعات التحويلية وتطوير القطاع الخاص الوطني، ليكون قطاعاً خاصاً ذا قدرات عالية ومستوعباً لعناصر ومقومات الإنتاج ذي الكفاءة العالية والمقدرة التنافسية في الأسواق المحلية والخارجية. وقد علمت أنّ إحدى المؤسسات الوطنية تعكف على إنجاز رؤية تحليلية للواقع الاقتصادي التنموي يُبين نقاط القوة والضعف والتحديات والفرص، وتقوم بوضع استراتيجية لتطوير القطاع الخاص المحلي وإعداده للمرحلة، ووضع دراسات تفصيلية ومقترحات عملية لكيفية التكامل بين القطاعين العام والخاص والقطاع شبه الحكومي، كما تعمل المؤسسة على انجاز دراسات تفصيلية لكل مجال أو قضية متعلقة بالعمل الاقتصادي التنموي تتطرق للإشكالات الماثلة وتقدّم الحلول العملية الممكنة. وسنكشف عن هذه المؤسسة وما تقوم به من أعمال رائدة حال اكتمال تلك الدراسات. ولا بد من تكامل الأدوار الرسمية وغير الرسمية، ووضع أهداف محددة لنهضة القطاع الزراعي لتحقيق أعلى إنتاجية وجودة للمنتجات الزراعية، وزيادة العائد الاقتصادي والبيئي والاجتماعي بما يتفق مع أسس استدامة الموارد الزراعية وزيادة الدخل القومي وتحقيق السلم الاجتماعي بالتنمية الريفية المستدامة، والمحافظة على الموارد الطبيعية وحسن إدارتها وتوسيع الهيكل الإنتاجي، وتعزيز الأمن المائي والغذائي وتحسين دخل الأسرة وتقليل حدة الفقر في الريف والحضر، وزيادة الإنتاجية ورفع كفاءة الإنتاج والتصنيع الزراعي، وتنمية الصادرات الزراعية والحيوانية، وتعظيم مساهمة القطاع الزراعي في تجارة السودان الخارجية، إلى جانب توليد فرص العمل للمواطنين وزيادة دخل الفرد وتحقيق التنمية المتوازنة لكافة مناطق البلاد تشجيعاً للاستقرار في الريف، وتنمية وحماية الموارد الطبيعية بما يكفل استدامتها وتجدد عطائها. ولتنفيذ هذه الاستراتيجية لا بد لها من متطلبات مثل إدخال أحدث الأنظمة التقنية ومراعاة المواصفات العالمية، والقدرة على منافسة الأسواق الخارجية من خلال تقليل تكلفة الإنتاج وربطه بالمنافسة العالمية واستنباط منتجات عالية الجودة، إلى جانب دعم تنفيذ وتصنيع نظم الري الحديثة مثل الري المحوري والري بالتنقيط وغيره من أنواع الري الحديثة، والعمل على تطوير أنظمة ري تلائم السودان، مع تحديث أساليب الزراعة وإنتاج البذور المحسنة، ودعم استخدام الحزم التقنية، ورفع قدرات المنتجين ومساعدتهم على تبني التقنية الحديثة لإحداث التحول النوعي ورفع الكفاءة الإنتاجية ومتابعة المشروعات والسياسات الزراعية. وضرورة بناء القدرات المحلية في ما يختص بمدخلات الإنتاج المختلفة بدلاً من الاعتماد على الاستيراد، وذلك بدعم قيام صناعات استثمارية في مجال الأسمدة والمبيدات واللقاحات والآليات والمعدات الزراعية ومعدات وآليات الري ومياه الشرب، وإنتاج التقاوي المحسنة وإكثار البذور محلياً، وتوفير المنتجات للصناعات التحويلية الزراعية استكمالاً لحلقات الإنتاج والتصنيع والتسويق الزراعي. ولا بد لهذا العمل أن تدعمه قاعدة قوية وحديثة للبحث العلمي ونقل التقانة تدعم التطور المتوقع في إنتاج المحاصيل والسلع الغذائية، وتحفيز الجهات ذات الصلة لتبني برنامج لتأهيل وتطوير البحوث الزراعية وبحوث الثروة الحيوانية وبحوث الري والمياه والاستشارات الصناعية ووسائل نقل التقانة والإرشاد، ورصد حركة تطور العلوم والتقانات الزراعية في العالم ومستجداتها، والتنسيق مع المؤسسات الإنتاجية بهدف الإفادة المثلى منها، مع تشجيع مبادرات القطاع الخاص الوطني والأجنبي بالاستثمار المباشر في المشروعات الكبيرة التي تستخدم اقتصاد السعات الكبيرة والتقانات الحديثة وتوفير الكفاءة في الإنتاج، إلى جانب دعم إنشاء وتطوير الأسواق وتعزيز قدرات قطاع المعلوماتية ووسائل درء المخاطر والتوسع في خدمات التأمين الزراعي وتوفير التمويل للإنتاج الزراعي. وفي هذا الإطار لا بد من التفكير في إنشاء شركات الخدمات الزراعية المتكاملة التي تأخذ على عاتقها توفير كافة المدخلات الزراعية وتقديم التمويل للمنتجين ومتابعتهم، وشراء المُنتج وتخزينه وتصنيعه وتسويقه بحيث ينصرف المنتج للتركيز على العملية الإنتاجية وتطويرها. وأخيراً يجب التفكير جدياً في استثمار الميزة التفضيلية لكل منطقة بالسودان، بحيث تخصص لكل ولاية أو عدد من الولايات منتجاً معيناً كأن تختص ولاية النيل الأبيض بإنتاج السكر، وولايتا نهر النيل والشمالية بإنتاج القمح والبرسيم والأعلاف، وولاية البحر الأحمر بإنتاج الأسماك والمنتجات البحرية، وهكذا إلى جانب تحديد مناطق زراعية لإنتاج سلع الصادر وفق معايير عالية الجودة «الإنتاج من أجل الصادر»، مع تشجيع الصادرات التي تحقق القيمة المضافة، وهذا مدخلنا لحل مشكلات سعر الصرف واستقراره.