وحش العلم

زوايا : عماد البليك

زوايا : عماد البليك

سعدت بحر الأسبوع الفائت، بفوز روايتي «وحش القلزم» بجائزة أطلس للرواية في مصر، في دورتها الثالثة، والمخصصة في فروع غير مشبعة في أدب الرواية، كالجريمة والرعب والخيال العلمي والرومانسية والقصص البوليسي وغيرها. وهي فكرة غير مسبوقة لأن أغلب الجوائز والمسابقات تركز على الرواية الأدبية في منظورها «الكلاسيكي» والمدرك، تلك التي تعالج قضايا الواقع الاجتماعي والسياسي والمسائل الإنسانية وتقوم على الحبكة المدركة، حتى لو أنه من الصعب جداً فرز الأمور والقول بأن ثمة نصاً أو صنفاً أدبياً خارج سياق القضية الاجتماعية عموماً.

عندما كتبت هذه الرواية لم يكن في بالي أنها سوف تدفع لجائزة ما، أو شيء من هذا القبيل، ومع فوزها شعرت بتشجيع أن ثمة مجالاً يمكن لي أن أنتج فيه المزيد، لاسيما أن أدب الخيال العلمي وهو الفرع الذي فازت فيه «وحش القلزم» يعتبر من المجالات قليلة الارتياد في الأدب العربي عموماً وفي السودان، ويمكن الإشارة محلياً إلى كتابات القاص الراحل جمال عبد الملك بن خلدون الذي نشر قصصاً في هذا الباب.

إن تطوير الحياة بشكل عام يبدأ من حفز وتوسيع الخيال البشري، كسراً لنواميس الذهن وتدريبه على وعي الأشياء بشكل مختلف عن المنظور والسائد، وما الأدب والفنون إلا واحدة من هذه الوسائل والوسائط، ولأن مفهوم الخيال متسع فهو يشمل كل السبل التي تجعل الإنسان يفكر بطريقة أفضل في رسم مساره في الوجود، كيف يمنطق ويبتكر ويولد الجديد.

من هذا المنظار فإن الخيال العلمي هو بوابة من بوابات المعرفة وتكثيف الرؤية للإنسان، فنحن في المدارس نبدأ بتعلم اللغة والأخلاق والعلوم في منظومة واحدة من المفترض أن تحملنا في شكلها أو محتواها النهائي إلى أن نرى أنفسنا بطريقة جديدة، أن نصبح قادرين على العيش والتعاون والتقاطع مع الآخرين ومع الأسئلة المستمرة بحثاً عن معنى العالم، أو ما يعرف بإيجاد الفاعلية في خلق فلسفة الوجود للذات، فالكائن الذي يسير بلا هدف هو فارغ.

لكن يجب فهم المسألة بشيء من الحذر القليل، فالخيال العلمي لا يعني في بلداننا إلا ما يتناول حيز النماء والمستقبل المنشود، إذ ليس هو خيال تلك المساحات الشاطحة التي تمضي إلى ما نراه مثلاً في السينما الأمريكية حتى لو تقاطع معه نسبياً.

وهذا يفيد بجوهر ما أكدت عليه أعلاه من أن وراء كل فن مغزى أو رسالة وليست المتعة والتسلية وحدها هي الهدف المنشود، ولكن هذا يكتب من خلال خيط شفاف ورفيع يصعب الإمساك به بسهولة، إذ تتداخل الرسائل والشيفرات بكيمياء النص ومتعته وما وراءه، وهذا علم معقد يبحث في ماهية النصوص الأدبية أو الفنون عموماً، كيف تتم وكيف تصل للمستقبلين وكيف يعاد إنتاجها أو تأويلها، وهو مجال رحب ومفتوح تظله سماء بلا سقف.