ليّس يطلع كويس

480في الحكاية المكرورة التي ظلت تكركر مواقف المواصلات من كركر الى جاكسون الى السكة حديد وبالعكس ،حيث يتم تشييد الموقف اليوم ويتم تغييره غدا ، كدت بدلا من أن أعزو هذه البهدلة والدردرة التي تدير الرؤوس الى سوء التخطيط أو عدمه ابتداء ، كدت أعزو السبب الى نهج « ليّس يطلع كويس » وهو كما ترون ليس بعيدا عن التخبط وعدم التخطيط ، وبمناسبة هذه العبارة الشعبية المعبرة كنت الى وقتٍ قريب أظن أنها سودانية خالصة تخص السودانيين وحدهم، ولكني اكتشفت اخيراً أنها ليست حكراً على السودانيين، بل تستخدمها بذات معناها شعوب عربية أخرى منها الشعب السعودي، بل يذهب بعض السعوديين لادراجها ضمن الأمثال الشعبية التي تخص بلاد نجد والحجاز، والعبارة لمن لم تطرق آذانهم من قبل، تُقال في حالات الغش والخداع وتطلق على العمل المغشوش، هذا في حالة وصف أي عمل اتسم أداؤه بـ«الكلفتة» وجاء على طريقة « دفن الليل أب كراعاً برّه »، ومن جهة أخرى للعبارة استخدام آخر يتجاوز مجرد الوصف أو تقرير حالة ماثلة، الى الحث والتحريض على المضي قدماً في العمل الذي لا تبشر مقدماته بالجودة ورغم ذلك يشجعونك لاكماله بمظنة أنه على سوء طريقة أدائه قد « يطلع كويس »…
المشكلة أن عبارة « ليّس يطلع كويس » تجاوزت بُعدها الشعبي وصارت نهجاً حكومياً حتى ظننا أن الحكومات قد صادرتها من شعوبها ووضعت يدها عليها فآلت اليها ملكيتها بالكامل، ولا شأن لنا هنا بحكومات الآخرين، ما تعنينا هي حكومتنا الولائية، ولن نعود الى الوراء كثيراً لنرى كم « ليّست » من مشاريع أقامتها هكذا دون إتقان أو جودة رغم ما صرفته عليها من أموال، بل سنكون أكثر رحمة فلن نأتي على سيرة ما اقترفته من « لياسة وتلييس » على مر السنين ، وإنما سنعني فقط بمحاولاتها الراهنة لإصلاح ما « ليّسته » من قبل والتي ثبت حتى الآن أنها لا تعدو أن تكون إعادة « تلييس المليّس » أو بالعربي الفصيح إعادة إنتاج الأزمة ..
ولنأخذ مثالاً تعاطي ولاية الخرطوم مع مواقف المواصلات ، وبالطبع المشكلة ليست فى المواقف وإنما في نهج « ليّس يطلع كويس » الذي نُفذت على هديه كثير من مشاريع البنى التحتية من طرق وكبارٍ ومصارف حفلت بالأخطاء الفنية والهندسية فأُنشئت على طريقة « عدّي من وشك » جرياً وراء الكم والكثرة على حساب الجودة والمتانة والاتقان حتى يُحسب ذلك إنجازاً يضاف الى ميزان الحسنات، هذا اذا أحسنا الظن، أما إن أسئناه لذهبت بنا الظنون مذاهب شتى أخفها سوء التخطيط والإدارة وقلة المهارة …