السودان ـ ماضي وحاضر ومستقبل التسوية السياسية في دولة جنوب السودان «1»

ALSAHAFA13-3-2017-7سعى أبناء دولة جنوب السودان نحو الانفصال عن الدولة السودانية ، اعتقاداً منهم أن الدولة المستقلة هي الآلية الأنسب للتحرر بكل أبعاده، دون أن تأخذ في الحسبان المخاطر والتحديات التي يمكن أن تقود إلى ماهي عليه اليوم. فترتب على عملية الانفصال ارتفاع معدل الانشقاقات بين التيارات السياسية داخل دولة الجنوب ، علاوة على الاقتتال بين الجماعات الإثنية، إضافة الى ضعف المؤهلات الاقتصادية التي تقود إلى أن تكون دولة جنوب السودان دولة مستقرة.
ظهرت عقب الانفصال هشاشة الدولة الوليدة التي كانت تحتاج إلى نوع خاص من التعامل والحنكة السياسية من قبل القيادة السياسية للدولة وقادة القوى السياسية والمستنيرين من أبناء الجنوب لتقوية نسيجها الاجتماعي الذي تسيطر عليه الإثنية والقبلية الطاغية ، ومحاولة الاستفادة من تجربة الدولة الأم في حلحلة مثل تلك التشابكات. ولكن الشاهد أن حدة الانقسامات قد تصاعدت بين الحركة الشعبية «الحزب الحاكم الذي وقع اتفاق نيفاشا الذي كفل لشعب جنوب السودان حق تقرير المصير» وبين الأحزاب السياسية التي كانت تمارس العمل السياسي ـ أي المجوعات المنظمة سياسياً ، تصاعدت الخلافات والانشقاقات وأخذت الطابع القبلي والإثني ، وأمتدت إلى داخل الحركة الشعبية نفسها .وأصبحت دولة جنوب السودان تتجاذبها أربعة تيارات. أولها الحركة الشعبية «الحزب الحاكم» بسيطرة مطلقة للدينكا برئاسة سلفاكير، وكتلة أخرى يتزعمها النوير برئاسة رياك مشار ، وكتلة الشلك وهي متأرجحة بين الحكومة والمعارضة وإن كانت أقرب للمعارضة وكتلة رابعة تقودها المجموعات المستنيرة والأكاديمون وأبناء قرنق والاستوائيون. واصطفت القوى السياسية والمليشيات المسلحة خلف القيادات المتصارعة على أسس وخلفيات إثنية.
زاد الوضع خطورة عقب مشاركة قوات التمرد في دارفور في الصراع الدائر في دولة جنوب السودان لصالح الحكومة ضد المعارضة كثمن للإيواء والدعم اللوجستي والعسكري الذي تقدمه حكومة سلفاكير لتلك الحركات في حربها ضد السودان ، هذا الوضع أدخل مفردة جديدة في الخلافات بين الحكومة والمعارضة بدولة جنوب السودان، وأصبحت مشاركة الحركات المتمردة السودانية في القتال أبرز نقاط الخلاف بين الجانبين ، ووصل الأمر إلى أن طالبت المعارضة بطرد تلك الحركات من الجنوب. وأصبحت أحد المحاور الأساسية للمعارضة في الاتفاقيات بين الجانبين، ويرتكز عليها تحقيق الاستقرار في الدولة. هذا الشكل جعل الأمر أكثر تعقيدا على المستوى الداخلي والإقليمي والدولي. فعلى المستوى الداخلي زاد من حدة الصراع عندما اتهم سلفاكير نائبه مشار بمحاولة الانقلاب عسكرياً عليه ، وأعلن سلفاكير أن الانقلاب العسكري ضد نظامه جسد أطماع مشار في السلطة، ووجه اتهامات في اتجاهات عديدة أن هناك مؤامرة خارجية تدبر له، الأمر الذي نفاه رياك مشار ، واعتبر ذلك ذريعة تستهدف معارضي سلفاكير.
تعامل المجتمع الإقليمي والدولي مع هذا الاتجاه واعتبر ما حدث صراعا داخليا بين القوى السياسية لدولة جنوب السودان حول السلطة. وحاول التعامل مع الطرفين للتسوية السلمية التي ترضي أطراف النزاع وتعالج تداعيات الأزمة المختلفة. وشعرت المنظمات الدولية بخطورة الوضع في دولة جنوب السودان مع استمرار القتال هناك ، ودعوا جميع الأطراف لوقف الأعمال العدائية . حاولت المنظمات الإقليمية والدولية إيجاد تسوية . فأعلن السودان موقفه الداعم للشرعية القائمة بقيادة سلفاكير الرئيس المنتخب ، واعتماد الحوار بين الأطراف المتنازعة برعاية الإيقاد ، وأبدى استعداده للقيام بأي دور من شأنه ان يحقق الاستقرار في دولة جنوب السودان . وأكد الرئيس عمر البشير في زيارته لجوبا في العام 2014 أن استراتيجية حكومة السودان ترتكز على استقرار السياسي والأمني في دولة جنوب السودان والإقليم .
هذا الموقف يأتي انطلاقاً من موقف السودان الثابت من تحقيق الاستقرار في دولة جنوب السودان ودعماً للسلم والأمن الدوليين ، وتطابقاً مع الرؤية الدولية ومجلس الأمن والأمم المتحدة والمنظمات الدولية في تحقيق الأمن والسلم عامة والوضع في الإقليم ودولة جنوب السودان خاصةً. علاوة على العلاقة الخصوصية مع الدولة الوليدة في الجنوب السوداني والتي تربطه علاقات ثقافية واجتماعية واخلاقية تجاه شعب دولة جنوب السودان، بالإضافة للتداخل القبلي على حدود تتجاوز الألفين من الكيلو مترات في منطقة مأهولة بالسكان والموارد المشتركة وتبادل المصالح. فكان السودان أكثر حرصاً على الاستقرار السياسي والأمني وداعماً للتعايش السلمي بين قبائل التماس. كما يأتي هذا الموقف السوداني الثابت تجاه تحقيق الاستقرار إلتزاماً بالاتفاقيات التي أبرمها مع حكومة دولة جنوب السودان ، وأشهرها اتفاق التعاون الذي وقع بين الحكومتين في سبتمبر 2012 بأديس أبابا المتمثل في عدم دعم الحركات المتمردة السودانية التي تنطلق من دولة جنوب السودان وفك الارتباط معها وترسيم الحدود. رغم إيواء دولة جنوب السودان ودعم العمل المسلح ضد السودان وشعبه ، تحرك السودان في الاتجاه الصحيح بدعم الاستفرار في دولة الجنوب إيماناً منه بدعم الاستقرار فيه والصبر على حكومة دولة جنوب السودان حتى تتجاوز محنتها والظروف التي تمر بها . لعلمها ويقينها التام بأن استقرار دولة جنوب السودان سياسياً وأمنياً هو استقرار للسودان ومواطنيه لاسيما على الشريط الحدودي بين الدولتين الذين تأذوا كثيراً من هجمات الحركات المتمردة بما فيها الحركة الشعبية قطاع الشمال من السلب والنهب وارهاب المواطنين وقتل العزل والأطفال إنطلاقاً من دولة جنوب السودان.
كان دور السودان في دعم دولة جنوب السودان يتمثل في ثلاثة مسارات بهدف تحقيق الاستقرار في دولة جنوب السودان . فالمسار الأول هو المسار الداخلي في إطار تعزيز العلاقة بين الدولتين ، أما المسار الثاني ففي إطار الأقليم وايجاد تسوية عبر المنظمات الإقليمية ممثلة في الاتحاد الافريقي ومنظمات الإيقاد ومنظمة البحيرات العظمى و«السيسا»، ومسار ثالث مع المنظمات الدولية ومجلس الأمن الدولي . فعلى صعيد العلاقات الثنائية بين البلدين الزيارات التي قام بها عدد من المسؤولين السودانيين والدعوات للقيادات بدولة الجنوب للقاءات مشتركة لتسوية النزاعات والتوسط بين الأطراف المتصارعة بكل اختلافاتهم بهدف تقريب وجهات النظر بين الفرقاء وتقديم الرؤى والمقترحات للتسوية السياسية . كما استقبل السودان عددا من الوفود من دولة جنوب السودان أبرزها زيارات الرئيس سلفاكير ، وزيارات عدد من الوزراء والمختصين في المجالات المختلفة محورها تحقيق الاستقرار وتحقيق الرفاهية لشعب دولة جنوب السودان. استضافة السودان جولة مفاوضات تشاورية بين الفرقاء في دولة جنوب السودان والتي بادر بها المجتمع الدولي الذي دعا السودان للقيام بدور محوري وأساسي في تسوية النزاعات في دولة جنوب السودان. ولم يقتصر دور السودان على الجانب السياسي . فتعداه إلى الجانب الانساني حيث قدم السودان مواد إغاثة للفارين من ويلات الحرب بين الحكومة والمعارضة ووفر لهم المأوى والحماية ، وقدم كافة الخدمات للاجئين من الإيواء والإطعام والتأمين والذي بلغ عددهم قرابة المليون لاجئ من مواطني دولة جنوب السودان ، وبقرار جمهوري سمح لموطني دولة جنوب السودان بالإقامة بالسودان أين وكيفما شاءوا دون حجر أو قيد ، أي تم التعامل معهم كمواطنين دون يجمعوا في معسكرات لاجئين باعتبارهم أخوة حلت بهم مصيبة يجب الوقوف معهم في محنتهم.