فرص وتحديات الحكم الصالح والمؤسسية في الواقع السياسي السوداني «3»

بهاءالدين-مكاويتناولنا في الجزء الاول من هذا المقال مفهوم الحكم الصالح ومؤشرات قياسه، وسعينا في الجزء الثاني منه الى ابراز العلاقة الجدلية بين المؤسسية من جهة والحكم الصالح أو الراشد من جهة اخرى ، ونحاول في هذا الجزء الثالث والاخير تسليط الضوء على فرص وتحديات اقامة حكم صالح ومؤسسي في السودان ، لأن الحديث عن المؤسسية والحكم الصالح ليس من الامور التي تناقش في المؤسسات الاكاديمية فقط كما هو الحال في كثير من الدول النامية، وانما هو حديث تعج به الصحف السودانية ووسائل الاعلام بل ويتناوله الناس في مجالسهم العادية ، فهل هناك امكانية لتحقيق هذا الحكم الصالح في السودان ؟ ما هي العقبات التي تعوقه؟ وما هي المعالجات المقترحة لانزال هذا النوع من الحكم المطلوب بإلحاح على ارض الواقع السوداني.
بادئ ذي بدء فان إقامة نظام سياسي وصالح يقتضي إعمال المؤسسية فى الجهاز السياسي «مؤسسة الحكم» والتى تتمثل فى إيجاد المؤسسات السياسية المنتخبة، والفصل بين السلطات، والمشاركة الفاعلة للمواطنين فى تصريف أمورهم، والشفافية، والمحاسبية، واحترام حقوق الإنسان، والمساواة أمام القانون، واحترام الدستور، واصلاح الجهازالإدارى الى غير ذلك من الأمور المهمة ، فضلاً عن السعي الى إعمال قيم المؤسسية في مجالات أخرى فى البيئة السياسية تتكامل مع الدولة من أجل خلق نظام سياسي مؤسسي يقود الى الحكم الصالح أو الراشد ، و من هذه المجالات الأحزاب السياسية، والمجتمع المدني، ، والقطاع الخاص.
ومن اهم الاصلاحات المطلوبة في مؤسسة الحكم للاتجاه به نحو الصلاح والشفافية هو الاصلاح الاداري،لان الجهاز الإداري هو ذراع السلطة فى المجتمع، وهو الذي يشرف على تنفيذ سياسة الحكومة فى المجالات المختلفة. وبالتالي لابد للجهاز الإداري أن يقوم ـ ابتداءً ـ على أسس سليمة وموضوعية، وأن يوجد المعايير اللازمة حتى ينسجم أداءه فى الحالات المتشابهة. ويمكن أن يكون الجهاز الإداري سبباً فى كفاءة الأداء الحكومي عامة أو سبباً فى ضعف هذا الأداء فى حال ضعف هذا الجهاز، وتعد المؤسسية فى هذا الجهاز الحساس مدخلاً لمؤسسية النظام السياسي برمته.
ان الاصلاح الاداري كما يعرفه الدكتور حسن ابشر الطيب «جهد سياسي وإداري واجتماعي وثقافي هادف لإحداث تغييرات أساسية في السلوك والنظم والعلاقات والأساليب والأدوات تحقيقاً لتنمية قدرات وإمكانيات الجهاز الإداري، بما يُؤمن له درجة عالية من الكفاءة والفعالية في إنجاز أهدافه «.
لقد برز الحديث في السنوات الاخيرة عن دور الحكومة الالكترونية في الإصلاح الإداري لان الحكومة الالكترونية تزيد كفاءة وفعالية عمل الحكومات، كما تحسن علاقة العمل بين المؤسسات الحكومية المختلفة والافراد المستفيدين من الخدمة الحكومية، كما انها تمكن من الرقابة الفاعلة نظرا لما تتمتع به النظم التقنية من امكانيات التحليل والمراجعة آلياً
لكن البنية التحتية الضعيفة للمعلومات في السودان وضعف شبكة الاتصالات، مع عدم الاستثمار الكافي من قبل الدولة في مجال البنية التحتية الخاصة بالاتصالات والمعلومات، كل ذلك قد أعاق الجهود المبذولة من أجل تأسيس حكومة الكترونية فاعلة تسهم في الاصلاح الاداري المطلوب.
ان اصلاح الجهاز الاداري يتطلب: الاستثمار في البنية التحتية الخاصة بالمعلومات وتقوية شبكات الاتصال، بالإضافة الى إصلاح نسق الكسب وشفافية هيكله وتقليل الفوارق في سلم الأجور، وإزالة التفاوتات في قطاعات الخدمة المدنية المختلفة، والاهتمام بالحكم المحلى بما يضمن مشاركة أكبر عدد من المواطنين، ووضع هياكل إدارية واضحة تحدد الصلاحيات والواجبات بصورة قاطعة.
كذلك لا بد من اصلاح المجتمع المدني لأن وجود منظمات مجتمع مدنى قوية وفاعلة هو المدخل لوجود نظام حكم صالح وديمقراطي، اذ تلعب منظمات المجتمع المدني دوراً كبيراً في معالجة قضايا المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وعليها يعول فى النهوض بالمجتمعات من ناحية، وفى توجيه سلوك الحكومات من ناحية أخرى لوسائل متعددة ومتنوعة.لقد بلغت أهمية المجتمع المدني مبلغاً ـ بعد نهاية الحرب الباردة ـ جعلت البعض يعده بديلاً لمؤسسة الدولة فى المستقبل. وبالتالي فإن وضع مؤسسات المجتمع المدني في أى مجتمع يحدد مستقبل ذلك المجتمع.
لكن هذه التنظيمات المجتمعية تعتريها العديد من عوامل الضعف الناجمة عن غياب المؤسسية فى داخلها، وبالطبع إذا غابت هذه المؤسسية بين صفوفها، فإنها لن تستطيع تحقيقها خارج أطرها أي فى البيئة السياسية المحيطة بها. وفي الواقع تواجه المجتمع المدني السوداني عدة إشكاليات، ونعتقد أن قيام المجتمع المدني بالدور المنوط به يتوقف -إلى حد كبير – على مقدرته على تجاوز هذه الإشكاليات ووضع الحلول الناجعة لها. وتتمثل اهم هذه الإشكاليات في الاتي :
1- ارتباط الكثير منها بأشخاص ويكون هؤلاء الأشخاص هم المؤسسون ويعتقدون، بالتالي، أن هذه المؤسسات هى ضمن «ممتلكاتهم» الذاتية، فيصرون على البقاء على قيادتها و رفض إفساح المجال لآخرين لإدارتها، ويقود ذلك إلى صراع بين الأعضاء الذى يقود إما الى تشرذم المؤسسة وتوقفها عن العمل، أو استمرارها فى حالة من الصراع والانقسام التى تؤدى الى إضعاف دورها وتراجعه يوماً بعد يوم.
2- غياب الثقافة الديمقراطية فى داخلها، فعلى الرغم من الاتفاق على أن تنظيمات المجتمع المدنى تقوم على أساس الحوار والتسامح وتغليب المصلحة العامة، إلا أن الواقع يقول بأن بعض هذه التنظيمات غدت ساحة للصراعات الشخصية والمصلحية .
3- التسييس :نعتقد ان التسييس هو أس الداء وأساس البلاء بالنسبة للمجتمع المدني السوداني، وهو أكبر المعضلات التي تواجهها تنظيماته ويقعد بها عن أداء وظائفها على النحو المطلوب، ويهدد وحدة أعضائها ويشتت ولاءهم.
لقد نشأت أغلب منظمات المجتمع المدني مثل النقابات وتنظيمات النساء والطلاب كأذرع للأحزاب السياسية في إطار صراع الأخيرة مع الحكومة الاستعمارية، وبالتالي فقد نشأت مسيسة ابتداءً بسبب ارتباطها الوثيق بالأحزاب السياسية. ولعبت دوراً وطنياً مقدراً في الصراع ضد الاستعمار، وساندت الأحزاب السياسية في صراعها مع المستعمر.
لقد كان من المفترض أن تسعى هذه التنظيمات ـ بعد الاستقلال ـ الى أن تكون مستقلة عن الأحزاب السياسية الأمر الذي لم يحدث. لقد أثر ذلك سلباً على هذه التنظيمات لأنه أدى إلى مواجهتها مع السلطات السياسية في كثير من الأحيان لأسباب سياسية قد لا تخدم قواعدها بشكل مباشر، الأمر الذي باعد بين قيادات هذه التنظيمات وقواعدها ،كما أدى إلى احتكاكات وصراعات في ما بينها على أساس سياسي محض ،وقاد إلى تناقض في مواقفها في كثيرمن الأحيان.
4- مشاكل التمويل: حيث تفتقر اغلب تنظيمات المجتمع المدنى السودانية الى التمويل اللازم لتسيير أمورها وأنشطتها وهو ما يقعد بها عن أداء رسالتها بفاعلية ،فيلجأ بعضها الى جهات داخلية أو خارجية لجلب التمويل ، لكن الجهات الممولة هى ـ غالباً ـ لها مصالح تريد تحقيقها من وراء تمويلها لهذه المنظمات ،وهو ما يجعل هذه المنظمات ـ فى حال استجابتها لضغوط الجهات الممولة ـ فاقدة للاستقلالية وتغدو أداة طيعة فى يد هذه الجهات توجهها لخدمة اجنداتها ومصالحها .ولا شك أن استجابة المجتمع المدنى لضغوط الممولين يقدح فى مؤسسيته ويشكك فى مواقفه ،لأن المؤسسية تفترض الاستقلال التام فى اختيار البدائل وتحديد السياسات ، وتنفيذها بما يخدم مصلحة المؤسسة وأهدافها وليس مصلحة الجهات المانحة.
إن وجود المؤسسية فى تنظيمات المجتمع المدني السوداني تقتضى استقلالها التام عن الأحزاب السياسية، و إيجاد مصادر تمويل كافية لتمويل أنشطتها بما يمكنها من الاستقلال فى صنع السياسات وتنفيذها ، وانتخاب قياداتها بصورة دورية ومنظمة ، و الاحتكام الى أسس قانونية واضحة تحدد الحقوق والواجبات بصورة قاطعة، بالإضافة الى الابتعاد عن القبلية والجهوية والطائفية فى تأسيس هذه المنظمات ابتداءً، وفى ممارساتها لاحقاً ، مع إيجاد معايير واضحة فى الحكم على الأشياء والمواقف، والابتعاد عن الذاتية.
لا بد كذلك للارتقاء بالواقع السياسي من الاهتمام بالمؤسسية داخل الأحزاب السياسية لان الاحزاب السياسية تلعب دورا كبيرا في تحديد مستقبل البلاد فهي التي تعبر عن الآراء في المجتمع، وهي التي تطور السياسات وتقدم المقترحات، وتوفر قنوات المشاركة، وتتوسط بين المواطن والسلطة ،وهي التي تفرض المرشحين على الناخبين، وهي التي تقدم القيادات التنفيذية حال فوزها في الانتخابات
تبرز أهمية المؤسسية فى الأحزاب السياسية من حقيقة أن وجود أو غياب المؤسسية فى الأحزاب السياسية ينعكس مباشرة ـ عند وصولها للسلطة ـ على النظام السياسي بأكمله.
ولكى تسود المؤسسية داخل الأحزاب السياسية لابد من أن تكون العضوية ـ بضوابطهاالديمقراطية ـ هى وحدها مناط الواجبات ومصادر الحقوق ، وأن تكون العضوية ـ مبدئياً ـ مفتوحة أمام الجميع دون اقصاء على أساس دينى أو عرقى أو مذهبى ، وأن يحتكم أعضاء الحزب فى علاقاتهم الداخلية الى شرعية دستورية يتوافقون عليها.
كما تعاني الاحزاب السودانية من مشاكل تتعلق بالبرنامج والتمويل وغياب آليات الخلافة السياسية، فالاحزاب السودانية شأنها شأن اغلب الاحزاب في الدول النامية حيث يغيب الوعي، تقل أهمية البرنامج لدى القواعد التي تصوت للحزب لا على أساس البرنامج ولكن على أسس أخرى روحية أو اعتقادية، وهو ما يقود الى غياب التنافس الحزبي على اساس البرامج واللجوء الى وسائل اخرى للكسب الشعبي تضر بالبيئة السياسية بشكل عام.
وتعد مشكلة التمويل من المشاكل الخطيرة التي تواجه حتى الاحزاب الكبرى في الدول المتقدمة ، ففي كتاب صادر عن جمعية الاصلاح الانتخابي (Electoral Reform Society) بالمملكة المتحدة اعده الكاتب Jess Garland بعنوان : اتفقنا أم لا : كيف نضع حدأً لفضائح تمويل الاحزاب (Deal or Not Deal : How to put an end to party scandals) ، قدم الكاتب شرحا للمشكلة حيث قال ان المشكلة تكمن في ان الاحزاب السياسية تلعب دورا كبيرا في تحديد مستقبل البلاد ، ومع ذلك فليس هناك ضمانات كافية لان تؤدي الاحزاب السياسية هذه الادوار بحيادية وبعيدا عن تأثير الممولين الذين لهم مصالح قد تتعارض مع المصلحة العامة او مع مصلحة غالبية جماهير الشعب وهو ما يثير اشكالية كبرى حول امكانية استقلالية الاحزاب التي تعتمد بشكل مباشر على دعم القطاع الخاص ، وقد أجرت جمعية الاصلاح الانتخابي في بريطانيا استطلاعات لرأي المواطنين حول هذا الموضوع فأوضحت الاستطلاعات أن 75% من الجمهور يرون أن كبار الممولين للاحزاب لهم تأثير كبير على توجهات هذه الاحزاب ، ورأى 65% منهم أن السياسيين يتم شراء مواقفهم من خلال التمويل ، ورأى 61% من الجمهور أن نظام تمويل الاحزاب برمته فاسد ولا بد من تغييره
ويثور الخلاف حول كيفية معالجة مشكلة التمويل الحزبي فبينما يرى البعض ضرورة الحد من التبرعات (capping donations ) ، يرى اخرون ان الحل في ما يطلقون عليه اسم إخراج الأموال القذرة (Taking out the dirty money )واللجوء الى التمويل العام باعتبار أن الاحزاب الممولة من القطاع العام ستكون أكثر نزاهة من الاحزاب التي يمولها القطاع الخاص وجماعات المصالح ، بينما يرى فريق ثالث ما يطلق عليه مجازا وقف تسلح الانتخابات (Stopping the electoral ?arms race ) ويقصدون بذلك تخفيض الانفاق على الحملات الانتخابية (capping campaign spending ).
تتبنى جميع دول الاتحاد الاوربي شكلا من أشكال التمويل الحكومي للأحزاب، باستثناء مالطا التي تسير هي الاخرى في هذا الاتجاه لكن تجربتها لم تكتمل بعد، وتتلقى الأطراف في جميع الدول الأعضاء شكلا من أشكال التمويل العام غير المباشر. كما توجد معايير محددة للتمويل الحكومي للأحزاب في جميع دول الاتحاد الاوربي، كما تحظر جميع الدول الاوربية تلقي اموال من أنواع معينة من المانحين في معظم البلدان، باستثناء الدنمارك مالطا وهولندا والسويد. وان نصف الدول الأعضاء تطبق حدود النفقات الحزب. كما تلزم الأحزاب السياسية في جميع الدول الأعضاء لأداء المحاسبة المالية. وبنشر الاحزاب لبياناتها المالية للجمهور في جميع الدول الأعضاء باستثناء مالطا واسبانيا. والاحزاب التي لا تلتزم بالانصياع لهذه القواعد تتعرض لعقوبات: الغرامة والمصادرة والسجن للقيادات. ويحتاج السودان الى معالجة هذا الامر بصورة عاجلة، لان عدم المساهمة في تمويل الاحزاب، وضعف الرقابة على الاحزاب، وغياب الضوابط المتعلقة بتمويل الاحزاب وعدم الشفافية في كل ذلك، من شأنه ان يقود الى تدخلات خارجية في شؤون البلاد يصعب لجمها بعد ذلك.
ومن اكبر المشكلات التي تعانيها الأحزاب السياسية عدم وجود آليات واضحة ومتفق عليها فيما يتعلق بالخلافة السياسية تمكن من التناوب على مواقع القيادة فى الحزب، مع اعتماد المبادئ الديمقراطية فى تحديد الحقوق والواجبات، فضلاً عن انفتاح الحزب ووجود شرعية دستورية يتوافق عليها الأعضاء.
أما في القطاع الخاص فتتجلى المشكلة بصورة واضحة حيث تسود حالة عدم المؤسسية بصورة أكبر ، حيث يتعمد المسؤولون عن قيادة هذه المؤسسات اخفاء المعلومات عن العاملين خاصة المسائل المتعلقة بالأرباح والخسائر والوضع القانوني للمنشأة ، وتتضاءل الشفافية او تتلاشى فلا تكاد تبين ، ويزداد الأمر سوءاً حين يكون مدير المؤسسة هو صاحبها ، حينئذ تدار المؤسسة بعقلية صاحب المال ، ويتم تجاهل الانظمة واللوائح والسياسات إلى حد كبير .
ولا شك أن غياب المؤسسية في القطاع الخاص ، خاصة حين يكون هذا القطاع كبيراً ويستوعب نسبة كبيرة من العمالة ، فإن أضراراً كبيرة ستقع على العاملين في هذا القطاع وهم شريحة كبيرة وينعكس ذلك على مجمل الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الدولة مما يتطلب تدخلاً مباشراً وسريعاً.
ولكي تسود المؤسسية في القطاع الخاص لا بد لمؤسسات القطاع الخاص من وضع معايير علمية دقيقة من شأنها قياس الأداء المؤسسي ومدى تطوره ، بالاضافة الى تطوير أدائها المؤسسي وفق أعلى معايير الجودة العالمية ،بما يضمن تقديمها لمنتجات وخدمات تنافسية ويقلل التكلفة والهدر .