شرعية الحوار

422* يتحدث الناس عن مختلف أنواع الشرعيات ، ومنها الشرعية الثورية ، والشرعية الدستورية ، وتلحق بهاتين نوعاً جديدا نسميه على حسب مستجدات الواقع وظروف الحاضر ، ومقتضيات الحال والأحوال بشرعية الحوار ، والوفاق الوطني .
* وحيث أن الحوار بين الأطراف تكون خلاصته التفاهم ، فإن الشرعية تنبثق من هذه الحالة المتوازنة ، وذلك الإحساس بأن النهايات للمتحاورين لم تكن بإجبار طرف ، أو إكراهه على تبني رؤية لم يكن مشاركاً في توصيف مضمونها ، وشكل بنائها ، وإنما كانت نهايات تغلب عليها صيغ التوافق ، والتراضي ، بإضافة وجهات النظر لتشكل النسيج الواحد ، والفهم المشترك .
* وشرعية الحوار هي التي تقود نحو الشرعية الدستورية ، وذلك لأن الدستور هو المعبر عن الإرادة الجمعية ، ومنافيا للتوجهات الفردية ، التي تفتقر للإجماع ، وتنزع نحو فرض الرأي الذي هو الطغيان بعينه ، وذات الذي نسميه الإستكبار .
* أما ما يسمى بالشرعية الثورية فان زماننا هذا قد تجاوزها بالمعلومات ووعي الشعوب ، إذ لا يحق لفئة أن تثور على أخرى  فتدعي أنها على حق لتركب على صهوة ما يسمى بمثل هذه التسمية على ظهر الجماهير ، ذلك لأن الذين يدعون بأنهم يمثلون شرعية كتلك ماهم إلاَّ جماعات إرادت أن تصادر إرادة أمة ، وسيادة شعب تحت شعارات للوصاية لم تعد تحمل منطقا ،  بعد هذا الذي سرى من معارف وعلوم جمعت فأوعت ، مما قضى على الجهل ، و أصبح الأمرعصياً على أولئك الذين ينزعون نحو القضاء على ارادة الشعوب مهما كانت وسائلهم تمتاز بقدر من الحيلة او الذكاء .
* والحوار المفضي الى التلاقي ، والوقوف على القواسم المشتركة هو الذي يقود نحو بناء المشروعات العملاقة ، وتوحد الارادات لتصبح غلابة ، وأصابة سنام النجاح ، الذي هو كالصخرة الشماء ، بإرتياد الآفاق البعيدة ، والمرتفعات الصاعدة ، والنجوم المتلالئة في السموات .
* والذين يركبون رؤوسهم ، ويصرون على إعمال آرائهم ، ضاربين برأي الآخر عرض الحائط ، هم أولئك الذين تقف في وجههم المعارضات ، ويحمل البعض السلاح ، وتنتصب في طريقهم العراقيل ، وتحول دون الوصول الى محطاتهم العقبات ، وكل ذلك كان نتيجة لرفض المنهج الحواري ، الذى يلزم من آمن به أن يأخذ ويعطي ، ويقلب الموضوعات ليرى وجوهها دون الاكتفاء بوجه واحد ، وأمثال أولئك تقودهم عيونهم التي لا تبصر الى منزلقات هاوية ، ومنخفضات كانت سببا في الإنزلاق .
* والحوار الذي يعتصم به الناس لتكملة ما تفتقر اليه عقولهم ، وما تخفى عليه أفهامهم ، هو الذي يبدد دياجير ظلمة حالكة ، ويفتح المسار في طريق حفت جنباته المتاريس ، وزُرعت حوله الكثير من الالغام .
* وما أجمل الحوار عندما تكون ثمرته هو التلاقي بين المتنازعين ، والتصافي بين المتخاصمين ، والإبتسامة في محل التجهم ، والغضب ، وإعمار الحياة بالمحبة ، والسلام ، وزرع الأمل في مواجهة أولئك الذين يتاجرون بشعارات الحروب ، ويستثمرون أموالهم في صناعات هي في الأساس للتدمير والتخريب.
*  وبدلا من حوار الآراء تكون المواجهة بسلاحٍ يقابله سلاح .