المكتبات كماليات؟؟

485الدنيا مقلوبة في بريطانيا، وبالتحديد في عاصمتها لندن، ووسائل الإعلام تقيم سرادق العزاء حزناً. تدني الخدمات.ليست الطبية، او التعليمية، او الطرق، او مكافحة البطالة والفقر، بل لأن المكتبة البريطانية «برتيتش لايبراري» لم تعد قادرة على توفير المقاعد لروادها ،فتجد أناسا جالسين حول الطاولات يقرأون ويكتبون،ومن خلفهم طابور ينتظر قيام بعضهم ليحلوا محلهم. ونحن نفعل امرا مشابها في الشوارع ومواقف السيارات، فكثيرون منا لا يهمهم تعطيل عشرات السيارات من خلفهم،لأن الواحد منهم قدَّر أن شخصا ما دخل سيارته ،سيتحرك بها ليوقف هو سيارته مكانها. ويجلس ذاك الشخص داخل السيارة يجري مكالمة هاتفية او يقلب فاتورة الهاتف ويسب شركة الهاتف،ويظل على هذا الحال ربع ساعة، ثم يدير محرك سيارته لبضع دقائق لتسخينها، وعندما يتحرك يكون من تربَّص به قد عرقل حركة السير لعشرين دقيقة.ولا عليه، فمن اراد ان تثكله أمه ويدخل في مشاجرة وفاصل من الردح فليتجرأ ويصيح فيه: خلي عندك دم وخلي العربيات اللي وراك تمشي. وقد يكون الرد: الليلة الدم للرُّكب.
المكتبة البريطانية جزء من المتحف البريطاني،وافتتحت عام 1857،وفيها ألف كارل ماركس كتابه المعروف «رأس المال»،وفيها كتب شارلس ديكنز معظم رواياته، «فيها جناح كامل لآثار حضارة كرمة ومروي، ولكن لم تفكر أية حكومة سودانية في المطالبة باستردادها، رغم أن مثل تلك المطالبة لم تكن ستعرض السودانيين للشتم والسباب المقذع كلما قال مسؤول منهم ، من باب إبراء الذمة ، إن حلايب سودانية».
عندنا يقول لك شخص ما انه يقرأ يوميا لساعة كاملة، وتكتشف انه يعني قراءة الصحف، ولكن حتى قراء الصحف أصبحوا أقلية، فكلما ازداد عدد المتعلمين في مجتمعنا،لا نجد زيادة موازية في توزيع/قراءة الصحف ،بمعنى ان قراء الصحف صاروا يعتبرون دقة قديمة. ومن المحزن حقا ان المكتبات العامة لم تعد جزءا من ثقافتنا الرسمية او الشعبية، فقد صارت-في زمن تعذر فيه الحصول على الضروريات – «كماليات» بل وسلعاً استفزازية مثل الكرز والكيوي، وفي نفس الوقت لا تجد فاعل خير يتبرع لإنشاء مكتبة عامة في بلدة ما، مع ان المكتبة لا تقل أهمية عن المركزالصحي والمدرسة اعطوني واحدا على مائة من كلفة أي ملعب رياضي،وأنا أضمن لكم تشييد مائة مكتبة وتزويد كل منها بعشرات الآلاف من الكتب «حتى لو بعت ضميري ولهفت جزءا من المبلغ» ،ولو شجعنا فقط طلبة الشهادة الثانوية والجامعات على ارتياد تلك المكتبات للمذاكرة «وياما هناك مئات الآلاف من الطلاب الذين لا تتوفر في بيوتهم الأجواءالصالحة للمذاكرة». لو فعلنا ذلك فقط،لكان فيه رد اعتبار للمكتبة ودورها في حياتنا
وسبق لي زيارة نحو عشر جامعات داخل عاصمتنا المثلثة «سابقا» والمكعبة حاليا، وفي سبع منها لم يكن مجموع الكتب الموجودة في المكتبة يزيد على بضع مئات، لطلاب نحو 12 كلية، وسألت عددا من الطلاب عن الكيفية التي يحصلون بها على ما يحتاجون من مراجع وكتب، فقال معظمهم إنه ليست بهم حاجة الى كتب ومراجع، فتساءلت ما إذا كانوا يعتقدون أن ويكبيديا تغنيهم عن المكتبات التقليدية، ووالله،ووالله، ومن بين عشرين طالبا وجهت لهم ذلك السؤال لم يكن واحد منهم يعرف ما هي تلك الويكيبيديا، وقال واحد منهم إنها تسريبات عن أسرار الدول موجودة في الإنترنت، وكان يعني بذلك «ويكيليكس»
هل تصدق أن أكبر مكتبة عامة في السودان الحالي المعاصر توجد في الكدرو؟ وأنها جزء من مجمع ضخم تم تشييده بجهود أهل البلدة، يضم أيضا مسرحا حسن التصميم، مشيد بالأسمنت المسلح، وليس مجموعة من الترابيز يتم رصها بطريقة مكلفتة وتقام عليها حفلات التكريم النفاقية التي انتشرت وبائيا عبر فضائياتنا ال»همها فاضي»، ولن أزعل إذا قال أحدهم لي «أنت ال همك فاضي. بلا مكتبات بلا بطيخ. نحنا ما لاقين زاد الجسم كيف نفكر في زاد العقل».