الطبع يغلب التطبع

422* قابلت شخصيات كثيرة ، تبدل وضعها ، وتغير طبعها عندما توجهت نحوها الدنيا بغضها وقضيضها ، فانفرجت الأحوال ، وزالت الأزمات ، وامتلأت الخزائن ، ولكن أحدث ذلك الانقلاب انقلاباً آخر ، فأصبح هؤلاء الذين أتحدث عنهم ، لا يردون سلاماً ، ولا يلقون تحية على من كانوا أصدقاء لهم ، وهكذا يبلغ بالمرء البطر فيعميه عن تاريخه ، ويحول بينه وبين التواضع الذي هو العنصر الأول للرفعة والصعود ، وليس هو المال الذي قد يأتي ، وقد يزول.
* والكثيرون الذين يتولون المناصب العليا ، والسلطات التنفيذية ، قد يدفعهم هذا الوضع نحو الخروج من الطور ، وغض النظر عن المساكين ، وإغلاق الأبواب في وجه المحتاجين ، وهذه هى سمة الذين تتجافى خصالهم عن قواعد الأصول ، وتبتعد تربيتهم عن الأخلاق السامية ، والمثل الرفيعة ، ولكن بالرغم من ذلك ، فإننا نجد بعض الذين قذفت بهم الأقدار إلى مواقع المسؤولية ، ومراكز عالية سلطوية ، لا يأبهون لما جلبته لهم مثل تلك الأوضاع من أبهة ، وصول ، وصولجان ، وهؤلاء هم أهل التواضع الذي هو أساس عناصر الترقي والصعود ، حيث لا يتأفف هؤلاء من قوم بسطاء ، ولا يتكبر أحدهم على أقرباء ، أو أصدقاء ، فتظل سجيتهم هي هي ، وطبيعتهم هي ذات الطبيعة التي تنسجم مع الفطرة ، وتتوافق مع الأصالة ، وتترسم الطريق المفضي إلى إنسانية ، وكرامة الإنسان.
* ولقد حدثني أحد الأصدقاء بأن رجلاً كان يسعى طوال حياته السياسية نحو المناصب ، بحجة أنه يرغب في خدمة الناس ، وتقديم المساعدة للعوام قبل الخواص ، لكنه عندما ظفر بالمنصب السياسي ، أحاط نفسه بهالة ، وحجب شخصه عن طريق أخرين اتخذهم حراساً له وجنوداً ، ونسي وعوده التي كان يعدُ بها
من كانوا سبباً لترشيحه لهذا المنصب ، والعمل على تبوئه لهذه المكانة ، وأمثال هؤلاء كثر فيما لو قلبنا صفحات التاريخ وأجلنا النظر في الذاكرة السياسية التي لا تمحى بفعل تداول الأيام ، أو مرور السنوات .
* وهذه الأيام تنشط فيها جماعات ولوبيات ، جرياً وراء المناصب الوزارية ، والمواقع الدستورية ، ولكن هذا الشعب أصبح واعياً ، ولديه القدرة للتمييز بين ما هو حق ، وما هو باطل ، بفعل تلك الخاصية التي يتصف بها ، والتي لا تقل في حساسيتها وقدرتها على كشف الحقائق  ، والتنبؤ بما ستأتي به الأيام
، من قدرة بعض المخلوقات التي زودها الله بقرون للاستشعار .
* والطبع هو الذي يغلب التطبع ، ذلك لأن الذي نشأ في بيت ذاكرٍ وعابدٍ ، يظل هكذا طوال حياته معطوناً برائحة الذكر ، ومتوشحاً برداء الطهارة ، وقائماً بالليل ، مجاهداً بالنهار  .
* أما الذين تبطرهم النعمة ، وتبدل من طباعهم السلطة ، فهم الذين لا يشبهون إلا الحطب عندما يتحول إلي رمادٍ فيما لو أشعلت فيه النيران ، ولكن من الرجال من يزداد أصالة وشهامة كلما أبتلي بسلطة ، أو أتته على حين غرة تدفقات الأموال ، فالذهب لا تزيده النار إلا المزيد من الوهج واللمعان .