ما أجمل التكافل والتضامن في السودان

422٭ إن الميزة العظمى والصفة النادرة مما يتفرد به أهل السودان، تلك الظاهرة العامة فى كل الأرجاء والأنحاء لهذا البلد، بأن يقف الجميع متناسين لخلافاتهم وتباين آرائهم، إجلالاً واعتزازاً بأصل انتمائهم وحبهم للخير بالتدافع زرافات ووحداناً، ومواساتهم لبعضهم البعض تعزية فى فقدان حبيب، أو عرفاناً لرد جميل.
٭ والتكافل عند أهل السودان هو الذى عصم الكثيرين من الموت جوعاً، وخفف من آلام مرضى، ورفع البلاء عن مكلوم ومسكين ومعدوم.
٭ والتضامن بين أهل السودان يتضح بجلاء فى الأفراح والأتراح فى شكل منظرٍ مبهرٍ ومدهشٍ للزائرين والذين أقبلوا عليهم مستثمرين، أو طالبين لحاجة، ويشهد بذلك من كان عضواً فى بعثة دبلوماسية، أو منظمة أجنبية، وعاش فترة من الزمان بين ظهرانى أمة لا تفرق بين قريب وغريب، خاصة عند حدوث الملمات، أو وقوع الكوارث، وحلول الابتلاءات.
٭ ولقد حدثني ضيف من ضيوف حكومة السودان، حضر مشاركاً فى ملتقى من الملتقيات، بأنه شاهد رئيس الجمهورية ولفيفاً من الوزراء يشيعون مواطناً توفي، ولم يغادروا ساحة الدفن إلا بعد أن وورى الجثمان الثرى، كما أنه كان يستغرب أن علية القوم ورجال السلطة تتعفر ثيابهم بالتراب، ويقف معظمهم بلا حرَّاس أو شرطة مدججة بالسلاح، ذلك لأنهم يعلمون تماماً أنهم بين أهليهم، وليست هناك خشية من هجومٍ أو تآمرٍ، فهم فى كنف أعراف سمحة، وعلاقات لا تقل عن صلة الإخوة الأشقاء.
٭ والتكافل الذى يتصف به المواطنون السوانيون، لا تجد مثيلاً له فى محيطنا العربى والإفريقى، وهو تكافلٌ يشمل جميع أفراد الأسرة الواحدة، كما ينسحب على الجيران والأصدقاء، وكل الذين تربط بينهم صلات المصاهرة، ومن تجمع بينهم المصالح والمنافع، إذ لا تنحصر هذه المنافع فى ماديات، بل تتجاوزها إلى الروحانيات والمعنويات.
٭ ونظام التكافل الاجتماعى لم يعد فى السودان حصراً على شركات التأمين، أو ديوان الزكاة، أو ما تضطلع به منظمات العون الإنسانى، بل هو منهج ترفده الأعراف، وتغذيه القيم، وتدفع نحو تعميقه تقاليد الأجداد وممارسات الآباء.
٭ ومع قوة عناصر التكافل والتضامن، تختفى عند الملمات وحادثات الدهر الخلافات الفكرية ووجهات النظر السياسية، وهذا هو الأمر الذى مازال شفرة لم يستطع من يكنون العداء للسودان التغلب عليها لإبطال مفعولها الذى أصبح لغزاً محيراً للأعداء.
٭ وما تميز به أهل السودان من تكافلٍ وتضامنٍ، هو السر الأوحد الذى ساهم فى تماسك مجتمع حاول آخرون أن يفتوا من عضده ويدمروه.