الكتابة الصحفية والنشاط الإعلامي وبناء المجتمع

زكريا النور سليمان
الكتابة بمفهومها البسيط عملية من عمليات السلوك المهني الإنساني الذي يحاول بها الكاتب مد الجسور بينه وبين الآخر والسعي لإقامة التوازن بينهما ، وتعتبر الكتابة فعلاً مسؤولاً يتلبس الكاتب ليفهم الواقع المحيط به ويعيد تأسيس هذا الواقع والحياة برمتها برؤية خاصة متجذرة فى عمق ذاته المهني والصحفي، وليؤسس الفكري والحضاري بهاجس مغموس فى زخم العلاقة بين لغة الوصل ومجموعة متعددة من الإشارات الكونية التي تعبر عن الذات الفردي والجماعي، كما أنها لتفجير ذاكرة خصبة والتقاط صور موحية تحمل قدرة شاسعة على التخيل وخوض آفاق التغيير وإثبات لمشاهد شتى من العوالم والمكاشفات التي تؤجج أعماق القارئ وتبلور وعيه، وهي قبل هذا وذاك شعور متفرد بمفردات المهنية والحق وصدق التعامل معها، لأن من جثة الوقت والمشاهد يتعلم الإنسان إقتصاص اللحظات الهاربة، وأن من ينظر لواقع البلد الآني وعوامل حضوره الثقافي والاجتماعي والسياسي يدرك بوضوح أن الصحافة هي التي بعثته من موات وجمعته من شتات أن محاولة أي من المجتمعات قراءة الواقع واستشراف المستقبل بعيداً عن الإعلام يعنى ان تنظر إلى الحقيقة والواقع بعين واحدة ليس لها اي إعتبار، وبالتالي تسقط أضخم المشروعات التي تستنير بها الأمم وليس فقط فى تاريخها بل فى واقعها المعيشي وتطلعها المأمول على أنه يجب أن نأخذ فى اعتبارنا أن للإعلام دورا مهما جداً فى عملية البناء والتطوير، وليس فقط مكونا من المكونات الثقافية للأمم ، إنما هو أساس انطلاق الحضارات ومصدر وحدتها وموجه مصيرها ، ومن المفيد فى هذا السياق أن أهم التحديات التي تواجه العمل الإعلامي والتي تتمثل فى بلورة رؤية جماعية قائمة على فكرة وعمل مؤسسي مهني من حيث لا يتأثر بنزاعات الأفراد وأهواء السلطات مع استلهام المصلحة المشتركة بين السلطات والقطاع الإعلامي فى إطار المصلحة الوطنية والروح القومية للبناء الاجتماعي والاستقرار السياسي، وتكامل الأصالة والإبداع وصولاً لتواؤم المصلحة الوطنية مع الأهداف الإنمائية مع التأكيد لعملية التواصل والحوار الجاد مع الآخر دون تقليد أو صراع وبذلك نستعصي على محاولة الاحتراق والهيمنة ومحطات التذويب والتشويه ورفض الآخر، لذلك فإن الدول المحافظة على تطوير القطاع الإعلامي وتوفير حرية الرأي والتعبير هي التي تمثل النموذج الأعظم لوحدة البلاد وتعزيز الديمقراطية وتماسكها والمساهمة فى عملية رتق النسيج الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، لأنه ما بنيت الحضارات والثقافات وحقوق الإنسان إلا بالعلم والمعرفة والقيم الجوهرية لحرية الصحافة والإعلام والعدالة الاجتماعية المتمثلة في بلورة رؤية للتقارب والتفاهم وتقليص مساحات الاختلاف والتباغض.