هل يعي الإعلام المصري الدرس ؟

مسارات

بعد المكالمة التي جرت بين وزيري خارجية السودان ومصر وكان مضمونها وقف التراشق الإعلامي والذي ابتدرته مصر غير الرسمية في غير معترك ، بل واسرف الإعلام المصري غير الرسمي في الاتكاء على السودان دون ان يجد هذا الهجوم الإعلامي مبرراته المنطقية ، ورغم كثافة هذا الهجوم غير الموضوعي الا ان السودان مد حبال الصبر ولم يرد بالمثل ولم يرد الصاع صاعين ، وكان بامكانه ذلك ، ولكن يعرف حقيقة الامر وما الذي دفع هذا الإعلام غير الرسمي لهذه الخطوة غير محسوبة النتائج ، بل ارتدت على مصر كلها الرسمية وغير الرسمية ، وكسب السودان تقدير كل من تابع الحملة غير المبررة والتي سخرت من السودان ارضا وشعبا وحضارة ، وجاءت المؤازرة للسودان من المتابعين من غير أهل الشأن في مصر والسودان وهذا مما عظم الحجة وفند كل الاباطيل التي حاول الإعلام المصري ان يجعل منها حقيقة مستفيدا من كثرة آلياته الإعلامية وقوة صوته من خلال مايملك من فضائيات واذاعات .
والإعلام المصري يبدو انه يجهل أهمية السودان ووضعه في القارة الافريقية ، بل واصدقائه في العالم العربي والإسلامي وفي محيطه الاقليمي والدولي ، ولم يدر الإعلام المصري ان السودان ظل يواجه العديد من وسائل الضغوط السياسية والاقتصادية والإعلامية لاكثر من عشرين عاما ويواجه حصارا لو فرض على أي دولة في العالم لانهارت في سنوات لاتتجاوز اصابع اليد الواحدة ، فالحديث الإعلامي والشتائم لاتعني شيئا بالنسبة للحصار الاقتصادي والعسكري وتأليب الجيران ودعم المتمردين والذي واجه السودان طوال أكثر من عشرين عاما ،
والان بعد المكالمة التي جمعت بين وزير الخارجية البروفسيور ابراهيم غندور ونظيره المصري سامح شكري ، لابد ان تكون خطوات عملية لان حسن النية غير كافٍ لالزام الطرف المبتديء ان يكرر فعلته مرة ثانية، ان اخذ اشارة خضراء او لم يأخذها ، ولابد من وضع اتفاق يلزم الطرفين من خلال مخرجات اللجنة الوزارية المشتركة التي تنعقد في ابريل المقبل ،لان بعض الإعلام المصري وغير الرسمي يرى ان مصر هي رائدة الإعلام في الوطن العربي وان التاريخ الذي يعيش فيه هؤلاء يجب ان يفيقوا منه لان العالم تجاوز ما كان تعتمد عليه الآلية الإعلامية المصرية الرسمية وغير الرسمية ، فان كانت قناة واحدة مثل قناة الجزيرة استطاعت ان يكون لها تأثير كبير في مجريات الاحداث التي تدور في كثير من البلدان، ولعل العنت الذي واجه هذا القناة من بعض الدول التي شهدت احداثا سياسية غيرت مسار اتجاه تلك الدول ، فهذا يؤكد هذه الحقيقة ان الإعلام قد تغيرت وسائله واساليبه وآلياته ومنهجياته في التأثير المباشر وغير المباشر ولم تعد تلك الطريقة القديمة التي كانت تعتمد على المثل الانجليزي الذي يقول « البراميل الفارغة تحدث اصواتا عالية » ولم يعد المتلقى يعتمد على وسيلة واحدة ويسلم بتلك المقولة ان كانت حقيقية او غير ذلك ، فالتطور الكبير في وسائل الاتصال الاجتماعي اصبحت اكبر من الآلية الإعلامية التي تديرها عقول منذ القرن الذي مضى ، وحقيقة ان وسائل الاتصال الحديثة هي التي حسمت المعركة الإعلامية لصالح السودان لان المناصرين ادركوا ان الإعلام الذي بادر بالاعتداء والهجوم على شعب كسب احترام العالم بل ان كثيرا من الدول اقتنعت به وان هذا الانفتاح الكبير في علاقات السودان الخارجية والتطورات التي حدث فيه جعلت كثيرا من الدول الكبرى تغير نظرتها نحو السودان الذي اقنع العالم بما فعل في قضايا أرقت العالم واشتكت منها كثير من الدول، وان معظم تلك الدول تعمل الان في نقل تجربة السودان في تجاربه وتعاملة مع تلك القضايا التي قدم فيها حلولا ناجعة وكانت نتائجها مقنعة لكثير من دول العالم .
العلاقة بين السودان ومصر يجب ان تكون اكبر من هذه الترهات التي يدلقها الإعلام المصري من غير وعي باهمية السودان لمصر واهمية مصر للسودان ، وان المفهوم الذي يعشعش في بعض العقول المصرية تجاه السودان ، لم يعد ذلك المفهوم مجديا في اي تعامل بين البلدين ، وان التحول الكبير الذي حدث في السودان جدير باحترام الجميع بما فيهم الاعداء الذين يقفون في مكان واحد لم يتغير منذ منتصف الخمسينات .
ان الإعلام المصري يجب ان يتوافق مع سياسة مصر الخارجية ولا يحاول ان يكون في موضع القرار وان يوجه السياسة الخارجية لمصر لانه وبكل بساطة يضر بمصالح مصر ولايعرف اين تكون مصلحة دولة كانت هي القائد وهي كبيرة الدول العربية وهي التي تجد عندها الحلول ، فلينظر الإعلام المصري اين مصر العربية والافريقية والإسلامية وان كثيرا وان كان البساط قد سحب من تحت قدميها فان الإعلام المصري كان له الدور الاكبر في ان تكون مصر في هذا الموقف الذي لايقبلة الاصدقاء قبل الاشقاء.