عبد الله جلاب وجمهورية الإسلامويين «1-6»

423«1»
صدر عن دار أشقيت أحد أشهر الدور البريطانية للنشر الأكاديمي في مجال الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية كتاب «جمهورية الإسلامويين الأولى: تطور وتحلل الإسلاموية في السودان» The First Islamist Republic: Development and Disintegration of Islamism in the Sudan للدكتور عبدالله جلاب أستاذ الدراسات الإفريقية في جامعة ولاية أريزونا الأمريكية. ولفظة «الإسلاموية» لا اصل لها في اللغة العربية الا انها اصطلحت طريقها الي القاموس السياسي العربي بتدرج وتؤدة خلال العقدين الماضيين، واكاد اظن ان الدكتور حيدر ابراهيم علي هو صاحب السهم الاوفر في توطين و توطيد ذلك المصطلح في لغة وبيئة الحوار الوطني في السودان «أزمة الإسلام السياسي 1991».
ويبدو لي والله اعلم ان لفظة الإسلاموية اطلقت تجاوزا في المبتدأ ثم اصطلاحا بأخِرة بغرض التفريق بين النهج الإسلامي العام المتعلق بالعقيدة من ناحية، والنهج السياسي الخاص القائم على اختيار ايديولوجية سياسية تقوم على فهم معين للإسلام من ناحية اخري. وقد استتبعت ذلك بالضرورة ظهور الحاجة الي التفرقة بين المسلمين من معتنقي العقيدة الإسلامية كديانة اجمالا، والمسلمين الناشطين في تيارات الإسلام السياسي، كجماعات الإخوان المسلمين، التي تدعو إلي إقامة نظام سياسي إسلامي من منطلق رؤى و منظورات الجماعة او الحزب تخصيصاً .
«2»
والملاحظ في سيرة غالب أعضاء الحركات «الإسلاموية» أنهم، بداية بمؤسسي هذه الاتجاهات مثل الإمام حسن البنا، تحدروا من صلب التعليم المدني الحديث، بل ان العديد من القيادات العليا والكادرات الوسيطة في تلك الحركات تلقت تعليمها كاملاً او جزئيا في مؤسسات التعليم العالي الغربية. وهي بذلك لا تنتمي إلى قطاع العلماء الذين هم نتاج النظام التعليمي الديني ولا إلى مؤسسات الإسلام الصوفي، بل ان الصبغة الغالبة علي هؤلاء هو انهم يمارسون تعالياً على التيارين الاخرين ارتكاناً الي انهم يجسدون قوى الحداثة الإسلامية.
وسنأتي الي امر هؤلاء مرة اخري عندما ندلف الي فصول الكتاب ونستعرض موضوعاته، غير انني اود ان اخصص بقية الفقرة لتعريف الاجيال الطالعة، ممن لم يرد علي مسامعها اسم المؤلف، الدكتورعبدالله جلاب، بهذه الشخصية السودانية المتميزة، لا سيما وانه قد قضي السنوات الثماني عشرة الماضية مقيما بالولايات المتحدة مأموما ثم إماما ثم فقيها ضليعا قوي العارضة في محاريبها العلمية والثقافية.
«3»
عمل جلاب في بداية السبعينات صحفياً في عدد من الصحف السودانية بداية بجريدة مورننغ نيوز «Morning News»، التي كانت تصدرعن دارالأيام، ثم في جريدة الرأي العام وجريدة الصحافة ومجلة الإذاعة والتلفزيون والمسرح وجريدة النهار البيروتية. وشغل منصب المستشار الاعلامي في سفارة السودان بلندن، وعمل مديراً للاعلام الخارجي بوزارة الثقافة والإعلام ثم مديراً عاماً لمصلحة الإعلام، وتولي مهام المستشارالاعلامي لرئيس الوزراء إبان الفترة الانتقالية عقب انتفاضة ابريل 1985.
وفي مسيرة كسبه الاكاديمي درس جلاب في جامعة الخرطوم وجامعة بوسطون وبرينغهام يونغ في الولايات المتحدة الأمريكية حيث نال درجة الدكتوراه. وهو أحد مؤسسي جماعة أبادماك و له العديد من الأعمال الأدبية منها ديوان شعر باسم «مزامير».
«4»
كتاب «جمهورية الإسلامويين الاولى» يشتمل علي دراسة أكاديمية متعمقة للحركة الإسلامية في السودان منذ بدايتها الأولى وبتركيز خاص على الدولة التي أقامتها إثر الإنقلاب العسكري الذي ساهمت مساهمة فاعلة في التخطيط له و تنفيذه في العام 1989 ثم وقفت من خلفه، بعد ذلك، حتى العام 1999 الذي شهد انهيار الدولة الأولى لتقوم على أنقاضها الدولة الإسلاموية الثانية التي لا تزال قائمة بشكل أو باخر حتى الآن بحسب المؤلف.
وإن كان إنقلاب 1989 العسكري قد قدم الدكتور حسن الترابي كزعيم أوحد في إطار شمولية الجمهورية الأولى أشبه ما يكون بجوزيف ستالين في زمانه وسلطانه ونمط زعامته دون أن يترأس الدولة، فإن انقلاب 1999 المدني الذي اطاح بالترابي قد دفع بالفريق البشير إلى مرتبة الرئيس القائد لنظام أشبه بنظام المشير جعفر نميري بحسب المؤلف، ولكن بدون مقدرات الذين أسسوا لنظام نميري المايوي من أمثال منصور خالد وجعفر بخيت وبدرالدين سليمان وأحمد عبدالحليم وغيرهم من الذين وصفهم الأكاديمي البريطاني تيم نبلوك بالتكنوقراط المحايدين «بينما وصفهم المؤلف بالتكنوقراط غير المحايدين». وتتجلي أهمية الكتاب في كونه دراسة أكاديمية موثقة لمرحلة من مراحل الحياة السودانية نجح فيها واحد من التيارات السياسية ذات التوجه الشمولي في الامساك بزمام البلاد و التحكم في مقدراتها منفردا.
«5»
يقع الكتاب في ثمانية فصول تتقدمها فذلكة قصيرة يطرح فيها المؤلف منهج البحث والهدف من هذا العمل الذي استغرق أكثر من عقد من الزمان، وقام على بحث ميداني طويل متنوع الأساليب والمداخل. وقد التقى المؤلف في إطار بحثه بعدد كبير من السياسيين في السودان، من داخل النظام و خارجه، بالإضافة إلى العديد من الأكاديميين المتخصصين في الشأن السوداني، و ذلك فضلا عن استمزاجه مادة غزيرة من الرؤى والتحليلات و توثيقات الاحداث حملتها الصحف والمطبوعات المحلية والعربية والعالمية.
يزعم المؤلف أن هدف الكتاب هو تقديم طرح متكامل لتجربة «الإسلامويين» السودانيين ولنموذج دولتهم الذي هو الأول من نوعه في العالم الإسلامي السني. وهو يري أن الإسلاموية ظاهرة كونية لها أثرها وطابعها على المتصالحين معها والمتفقين مع أسلوبها السياسي والمنتفعين بوجودها اجمالا من ناحية، والمعارضين لرؤاها والمتضررين من نهجها في السياسة والحكم من ناحية اخري.
ويقول جلاب بأنه كمسلم وكمواطن سوداني فانه يجد نفسه في دائرة الوجود الإسلامي والمواطنة السودانية، ولكنه كباحث مستقل بلا توجه سياسي هو بالضرورة والاختيار الواعي خارج دائرة الإسلاموية وما يحتوشها من إيديولوجيات وسياسات. من داخل هذا المنطق وعلي ارضية هذا المنعرج التاريخي، حيث تتواتر الحادثات، فإن مثل هذا المنظور الثنائي الأبعاد يهب الباحث فرصة نادرة لفهم الأفكار والمعاني الداخلية لتيارات العنف والجشع والسعار والصفات الدنيا التي تميزت بها الحركة الإسلامية، وهي ذات التوجهات والصفات التي ساهمت، منفردة ومجتمعة، في تشكيل تضاريس الحياة السودانية و تدبير مجرياتها.
«6»
يقع استعراضنا للكتاب في ثلاثة محاور. أول هذه المحاور يتعرض للفصول الثلاثة الأولى والتي يضع فيها الكاتب الحركة الإسلامية في السودان في سياق تطورها التاريخي ونموها السياسي. ويبدأ ذلك بمقدمة طويلة يتعرض فيها الكاتب الى الانقلاب العسكري الذي قاد الإسلامويين للحكم وغلالة الغموض الذي حاول دهاقنة الجبهة الاسلامية القومية أن يلفوا بها انقلابهم، ثم ما كان من امر انحسار الستار تدريجيا عن ذلك الغموض ابتداءً من اليوم الاول اذ أخذ الأمر يتكشف ويستبين للسياسيين والنقابيين الذين زجّ بهم الي سجن كوبر والي جانبهم، في محنة الاسر، كل من حسن الترابي وأحمد عبد الرحمن محمد وإبراهيم السنوسي والفاتح عابدون بغاية التمويه. وما تبع ذلك من ردود فعل الشارع السوداني الذي رأي في ذلك الغموض المصطنع ما يستبطن درجة عالية من الخداع وينال في مقتل من مصداقية الإسلامويين و كفاءتهم الاخلاقية.
«نواصل»