جهاز الأمن الوطني وإدارة الملفات الدولية ..اجتهد فأصاب

مسارات

مسارات

كانت واحدة من التحديات التي واجهت السودان بعد التغيير الذي حدث في 30 من يونيو من العام 1989م هو ملف العلاقات الدولية وجاء هذا التحدي بعد إنهيار الاتحاد السوفيتي ودخل العالم في دائرة القطبية الاحادية التي كان شعارها «من ليس معنا فهو ضدنا »، وجاء هذا المبدأ في مواجهة مبدأ الاستقلالية الذي رفعه السودان في ذلك الوقت بعد التحولات الكبيرة التي شهدها السودان في سياسته الخارجية قبل قيام ثورة الانقاذ الوطني ، حيث كانت البلاد تنجرف نحو حلف واحد ربما جعل البلاد أسيرة ولاتستطيع الفكاك من هذا الحلف الذي يتحكم بدوره في علاقات السودان وكانت واحدة من اهداف قيام ثورة الانقاذ الوطني ان يبني سياسة تقوم على ان السودان دولة ذات سيادة واعتبار وليس تابعا لاي جهة اخرى مهما ادعت بعض الدول هذا الادعاء ، وكان لهذا التوجه الاستقلالي للسودان ، ثمنا كبيرا دفعه السودان ، نتيجة ان هذا الامر لم يعجب الكثيرين من اهل الوصايا الدولية والاقليمية ، والسودان لم ينحن لكل محاولات اجباره للعودة الى طريقه القديم وان يدخل بيت الطاعة مثل ماكان سابقا ، ولم تكن كل تلك الظروف التي واجهها السودان من قبل تلك القوى الدولية والاقليمية الا نتاجا لثباته على هذا الموقف ،وايمانه التام بان السودان لم يعد «رجل افريقيا المريض» كما يوصف في السابق ، وان توجها جديدا بدأ في مسيرة أرض النيلين ومهما تكاثرت الضغوط فان السودان لم ينحن لها وكان هذا الموقف الذي مثله السودان امام ضغوط تلك القوى محل تقدير واعجاب مستتر، وكما هو معلوم فان العلاقات الدولية بيدها كثير من المفاتيح خاصة الاقتصادية والسياسية ،فكان هذا الباب مثل واحدا من الابواب التي اغلقت في وجه السودان .
وبذل السودان جهودا كبيرا في اقناع العالم بصحيح توجهه وسلامة موقفه في ان يقف هذا الموقف الاستقلالي دون تبعية مباشرة او غير مباشرة ،وكانت مؤسسات الدولة ذات العلاقة بملف العلاقات الخارجية ، اجتهدت في ايصال وجهة نظر البلاد وكان لها اجر الاجتهاد وان كانت لم تصب بالقدر الذي يسمح لها بأجرين نظير هذا الاجتهاد ،في ذلك الوقت لم يكن جهاز الأمن الوطني بعيدا من ملف العلاقات الدولية ولم يكن جهده في نفس اتجاه تلك المؤسسات المعنية بالملف مباشرة وانما جهده في اطفاء النيران التي كان يشعلها التحرك الدولي والاقليمي على السودان في اتجاهات مختلفة ، وكان لهذا الجهد الذي بذله جهاز الأمن الوطني في صد كل المخاطرالتي تكاثرت ، وتأمين الجبهة الداخلية رغم كثافة الضغوط على السودان فقد نجح جهاز الأمن الوطني في الحفاظ على تماسك البلد دون ان ينهار فيها شئ من القيم ، وظل جهاز الأمن الوطني يعمل في تأمين البلاد الى ان وصل مرحلة تجاوز فيها الاجهزة المثيلة في عديد الدول ، الامر الذي جعل تلك الدول تنظر الى التجربة السودانية في هذا الاتجاه بعين الرضاء ،ولم يظهر للعيان ان جهاز الأمن الوطني يلعب دورا في الملفات الدولية الا عندما تظهر النتائج جليا تحدث عن نفسها بهذه الانجازات التي تمت ،ولعل ظهور الفريق اول أمن محمد عطا في المؤتمر الصحفي الذي عقد بمناسبة رفع العقوبات الامريكية عن السودان بجانب وزير الخارجية ابراهيم غندور ووزير المالية بدر الدين محمود ووزير الدفاع الفريق اول عوض ابنعوف ، محل تساؤل لكثير من العامة الذي تابعوا مجريات المؤتمر الصحفي ، ومن هنا اتضح للجميع ان لجهاز الأمن ضلعا كبيرا ومؤثرا في العلاقات الدولية وان جزءا من نتائج رفع الحصار عن السودان والانفراج في العلاقات الخارجية كان لجهاز الأمن الوطني ضلع كبير فيه ، لم يتبينه الجميع الا بظهور الفريق اول محمد عطا في ذلك المؤتمر الصحفي .
وليس غريبا ان تتولى اجهزة المخابرات الملفات الدولية ولم يعد هذا الامر قاصرا على دولة دون الاخرى لان الملفات الدولية في الاصل مرتبطة بالأمن القومي لاي دولة ، وتابع كثير من اهل السودان ان رئيس المخابرات المصري الاسبق اللواء عمر سليمان كان يتولى ملف القضية الفلسطينية وكانت له تحركات مكثفة و اشتد الامر في هذا الملف ثم تولى ملف السودان وان كان بشكل غير مباشر ، وان الملفات الدولية ذات التأثير المباشر في الدول الكبرى تتولاها اجهزة المخابرات في تلك الدول لان الامر في النهاية يتعلق بالأمن القومي لتلك الدول .
وحقيقة الامر ان ماقام به جهاز الأمن الوطني وما انجزه في ملف العلاقات الدولية يستحق التقدير لان النجاح في ظل الظروف التي يعيشها السودان يعتبر نجاحا له طعم خاص ، وما جاء في الاخبار امس الاول ان المدير العام لجهاز الأمن والمخابرات الوطني الفريق أول محمد عطا قد قام بزيارة ناجحة للولايات المتحدة واجرى مباحثات مهمة مع نظيرة الامريكي مايك بومبيو في جهاز ال«سي آي ايه» وكبار مساعديه وتأتي هذه الزيارة تتويجا لجهود السودان ونجاحه في معالجة قضايا ذات ابعاد دولية مثل الاتجار بالبشر ومحاربة التطرف وكانت اجهزة المخابرات الامريكية قد اعترفت بدور السودان في معالجة هذا القضايا ، ولم تتوقف زيارته عند الملفات ذات الاختصاص وذهب الى ابعد من ذلك حين بحث مع عدد من رؤساء اللجان والنواب في الكنغرس وتناول هذا اللقاء عددا من الملفات السياسية والعلاقات ذات الابعاد الدولية والاقليمية .
وهذه الزيارة التي قام بها المدير العام لجهاز الأمن الوطني والمخابرات سيكون لها اثر كبير في دفع العلاقات الثنائية بين البلدين وفيها تعظيم لدور السودان الاقليمي بعد ان اقتنعت امريكا بأهمية السودان كدولة مؤثرة في القارة الافريقية ، وان الانفتاح في علاقات السودان الخارجية كان لجهاز الأمن الوطني دور كبير فيه وذلك بشهادة المؤسسات ذات الاختصاص وان هذا الفتح الذي تم باجتهاد جهاز الأمن الوطني فهو يستحق اجرين لانه اجتهد وأصاب ..