الرمزية الاستراتيجية لتكريم أفريقيا للرئيس البشير!

سودان سفارى
الأمر هنا لا يتعلق باحتفاء أو احتفال إعلامي، أو صِيت سياسي للسودان، فالسودان حاز من الصيت السياسي والدبلوماسي منذ خمسينات وستينات القرن الماضي وأثبت أنه جزء مؤثر في المعادلة العربية والإفريقية وصاحب دور فاعل فيها . الأمر
يتعلق بحلقة ذهبية جديدة من الحلقات الذهبية اللامعة للقارة الإفريقية السمراء في نضالها الذي لا ينتهي ضد الاستعمار.
فكما فعل «باتريس لوممبا» حيال الاستعمار الأوربي، وكما فعل «روبرت موغابي» ولا يزال يفعل، وكما فعل «نيلسون مانديلا»، وفعل «جمال عبد الناصر» و «جولييس نانيري» وعشرات القادة الأفارقة الذين سجلت أسماؤهم ونضالاتهم وثوريتهم بأحرف من ذهب خالص على جبين هذه القارة المناضلة، الرئيس البشير فعل ذلك! فهي لحظة تاريخية فارقة يتحدد من خلالها أثر المحتفى به في الحراك التاريخي العام للقارة بأكملها.
تكريم أفريقيا -بقضّها وقضيضها- للرئيس البشير في احتفال تاريخي مشهود، أعاد إلى القارة مجدها وأضاف حلقة ذهبية جديدة إذ أن الرمزية الاستراتيجية للاحتفال، أكبر من مجرد الاحتفال وأغلى وأثمن منه وذلك لاعتبارات مهمة للغاية:
أولاً: التكريم ركز على الدور الذي قام به السودان ممثلاً في رئيسه البشير في الذود عن القارة ضد ممارسات الاستعمار العالمي عموماً، ولعبة ما يسمى بالمحكمة الجنائية الدولية خصوصاً.
السودان بدبلوماسيته العادية والرئاسية استطاع أن يستنهض همم الأفارقة ويحشدها بصوت واحد وخطى موحدة- ضد استهداف المحكمة لقادة القارة الإفريقية، فهو الذي لفت أنظار قادة القارة لمخاطر هذه اللعبة الجديدة المغلّفة بأوراق سلوفان ناعمة تدعي العدالة!
وقد ثبت بالفعل إن كل ما لدى المحكمة من ملفات هي ملفات افريقية «4 ملفات». ملف يوغندا، ملف خاص بكينيا، ملف خاص بالسودان لم يفكر أحد في فتح ملف لإسرائيل وجرائمها الموثقة، ولا الولايات المتحدة التى تجوب أساطيلها العالم. القادة الأفارقة وحدهم هم محل اهتمام المحكمة!
ثانياً: النضال الإفريقي نضال تاريخي طويل وشاق وثمنه باهظ، والرئيس البشير بإصراره على تحدي الجنائية الدولية، وحرصه على المشاركة في كافة المحافل الدولية أينما وجدت، ومثابرته على التواجد وسط قادة القارة والإقليم في أي محفل غير عابئ بمذكرة المحكمة ولا مكترث لحياته أو شخصه، استطاع أن يقارع من يقفون وراء المحكمة مقارعة حقيقية ويسبب لهم حرجاً بالغاً، فلا هم واتتهم الشجاعة لمواجهته، ولا هم ارتاحوا من تحركاته وإسهامه السياسي في المحافل الدولية والإقليمية.
لم يتحقق أي هدف من أهداف ملاحقة الرئيس، لا الحد من حركته، ولا تخويفه ، ولا مساومته ولا تنفيذ مذكرة الاعتقال. وفي قواعد وقوانين النضال، فإن هذا الانجاز التاريخي هو الانجاز الذي يستحق الاحتفاء بحرمان «العدو» من تنفيذ مخططاته، وبحماية قلعة القارة من تطفل الغرباء، ومنع تسرب المؤامرات الدولية إلي عمق البيت الإفريقي.
الرئيس البشير في الواقع صدّ عن القارة رياحاً دولية سوداء كالحة كانت تود اقتلاع وحدة القارة وسيادتها. فكيف لا يكرم وقد حقق هذا الهدف الاستراتيجي المهول؟
ثالثاً: التكريم بطبيعة الحال أحدث غصة مريرة في حلق القوى التى تقف وراء المحكمة، فالأمر لم يعد مجرد تصريحات من قادة أفريقيا، الأمر تمت ترجمته ترجمة عملية مباشرة، إذ أن الذي ينظر اليه أولئك الأعداء نظرة المتهم ونظرة المشتبه به، ينظر اليه بني جلدته ورفاقه في القارة الإفريقية نظرة البطل والمناضل!
والأروع من ذلك أن التكريم سوف يتوالى ويطال قادة آخرين ويصبح تقليداً أفريقياً استراتيجياً. وهذا من شأنه أن يدفع أعداء القارة إلى إعادة النظر في مواقفهم، وإعادة النظر في المعايير التى يتعاملون بها مع القارة الإفريقية وهذه في حد ذاتها لعمري خدمة تاريخية جليلة ذات أبعاد إستراتيجية ضخمة سجّلها التاريخ في صفحات القارة الإفريقية الناصعة لكي تكون لبنة في البناء الاستراتيجي للقارة.