مشكلة الماء وحجوة أم ضبيبينة

480«حجوة أم ضبيبينة» من الأحاجي السودانية ، وهي أحجية شهيرة معروفة العنوان مجهولة النص والمتن، الذي لا يعلم منه سوى أنه بلا نهاية، ولهذا درج السودانيون على نعت كل ما هو لولبي وزئبقي وحلزوني لا يعرفون له رأساً من قعر، بأنه مثل «حجوة أم ضبيبينة» التي لا تنتهي، ويبدو أن مشكلة انقطاع المياه وشحها التي ظلت تتكرر كل صيف وأحيانا للغرابة في الخريف ستظل بلا حل يضع نهاية لها ،ولهذا استحقت مع هذا التكرار الممل أن تكون خير مثال للمعنى الذي قصدته الأحجية ، فهاهي المشكلة الان تطل برأسها كالعادة مع حلول فصل الصيف ، اذ ظلت عدد من المناطق بالعاصمة تعاني شحا في المياه لعدة أيام نذكر منها على سبيل المثال المنطقة التي تقع فيها مباني صحيفتي الصحافة والمجهر وما جاورهما ،بينما تقف الهيئة حائرة لا تدري ما تفعل ، وكأنى بها وهي في هذا الموقف الحائر تجسد فعلياً النكتة التي تروى عن أحد إخواننا الجنوبيين حين حاول أن يقرض شعراً بالعامية السودانية، فذهب ليلاً إلى شاطيء النيل ليستلهم منه ما يعينه على إنتاج القريض ، وبعد تأمل وتدبر واستغراق في التفكير، لم يجد ما يقرضه سوى أن يقول متحيراً «يا نيل يا طويل يا ملولو.. بالليل دا ماشي وين» ..
والحال من بعضو، فالهيئة أيضاً لا تجد ما تقوله تبريراً لشح المياه وانعدامها في عاصمة يشقها نهران ونيل غير ما تستبطنه من مياه جوفية، ورغم هذه الوفرة المائية تقف عاجزة وحائرة ، وما يكشف عجز هذه الهيئة وحيرتها أمام مشكلة المياه انها مع كل أزمة جديدة لها سبب ومبرر جديد، مرة بسبب الطمي في مواسم فيضان النيل، ومرة بسبب الشبكة المهترئة، ولم تستطع على مرّ السنوات أن تتخلص من هذه « الشبكة» بكسر الشين، ومرة تعزو الشح إلى زيادة الطلب على الماء نتيجة التوسع الأفقي جراء اضطراد موجات الهجرة من الريف إلى العاصمة، والشاهد هنا أن الهيئة أدمنت معايشة هذه المشكلة المزمنة التي ظلت تتكرر بشكل راتب ليس كل عام فحسب، وإنما أحياناً عدة مرات في العام الواحد، دون أن تكون لها أي رؤية واضحة أو برنامج محدد لحلها، وهنا لا نلوم الهيئة وحدها بل نلوم كل القيادات، المركزية منها قبل الولائية، إذا كان سبب هذه المعضلة المستعصية هو نقص التمويل، فما قيمة كل المشروعات الحضرية التي تم تمويلها ، إن كان الانسان نفسه الذي هو أعلى قيمة من كل شيء لا يجد جرعة الماء التي تطفئ ظمأه ولكن نخشى أن تكون المشكلة في نقص الكفاءة والدراية والدربة الإدارية ، وإن كان ذلك كذلك فلا مشاحة من الاستعانة بالخبرة الأجنبية الحقيقية وليست التايوانية المضروبة التي يستثمر فيها المضاربون والسماسرة وتجار الأزمات.