أكاديمية الأمن القومي … تحديات في مسير الرسالة

مسارات

مسارات

شكلت أكاديمية الأمن القومي التي افتتحها رئيس الجمهورية بعدا جديدا واضافة حقيقية ،ففي حفل افتتاح مبانيها الجديدة منح رئيس الجمهورية وسام الانجاز لجهاز الامن والمخابرات الوطني ، ومنح المدير العام للجهاز الفريق أول محمد عطا نجمة الانجاز ، وهذا التكريم لم يكن نهاية سعيدة لنجاح في مهمة ما ، ولكن هذا التكريم اصبح تحديا اضافيا لجهاز الامن والمخابرات الوطني في كل اداراته العاملة ، والأهم من ذلك اصبح هذا التكريم الذي تم داخل مباني الاكاديمية الجديدة التي شيدت بمواصفات عالمية تستوعب العديد من الانشطة دون الحاجة للاستعانة بمرافق اخرى كانت قريبة من الاكاديمية او بعيدة نسبيا ، لأن جهاز الامن الوطني ينظر للامور في مداها البعيد ويعلم ان العملية الأمنية تطورت ولم تعد كما كانت سابقا
فقد تجاوز مفهوم الأمن الاعتبارات الترابية الإقليمية والعسكريّة، ليصبح شموليًا ومتعدد الأبعاد وأكثر قربًا من الحياة الإجتماعية، الأمر الذي جعل تقرير برنامج الأمم المتحدة للتنمية للعام 1994 يتبنّى فكرة الأمن البشري حيث جاء فيه: «لزمن طويل كان مفهوم الأمن يقتصر على الصراع بين الدول، ويقاس نسبة إلى التهديد الموجود على الحدود، وكانت الأمم تعد الجيوش للحفاظ على أمنها، أما اليوم فلدى معظم الشعوب شعور بفقدان الأمن نتيجة القلق الذي يساورها في الحياة اليومية والمعيشية أكثر بكثير من الخوف من احداث العالم المدمّرة. الأمن الاجتماعي، الأمن الاقتصادي وأمن العمالة هي الهواجس المستجدّة على الأمن البشري في كل أنحاء العالم . فالأمن لم يعد يقاس بمدى تقليص التهديدات بل بمـدى الإستجابة للحاجيات الأساسية للإنسان». بتعبير آخر، بات الأمن يطاول البشر في تعليمهم وصحتهم ومهاراتهم المختلفة، إنه الأمن المتناسب مع الزيادات السكانية المستمرة والمرتبط بتنمية الموارد البشرية لا بتراجعها.
يرتبط مفهوم الأمن البشري بتشجيع التقانة التي تستلزم إعدادًا وميزة من العمالة الفنية، وبإعادة النظر بمفهوم العمل ووضع تشريعات جديدة وفريدة من برامج تدريب العمال.
من هنا تأتي أهمية أكاديمية الامن في تعزيز مفهوم الامن ورفع الوعي عند المجتمع السوداني ، في اطار المفهوم الجديد للامن البشري والذي يأخذ أكثر من تعريف .
ومن هذه التعريفات ان المجتمع مهدَّد أكثر من الدولة بفعل جملة من الظواهر – مثل العولمة والظواهر العابرة للحدود، وتدفقات الهجرة، الإستيراد الواسع للبضائع الثقافيّة الأجنبية،. ولخص ويفر تصنيف بوزان في شقين أساسيين: الأمن القومي والأمن الإجتماعي، الأول يعنى بالسيادة وبقاء النظام، والثاني يخص الهويّة وبقاء المجتمع. واقترح بتركيزه على الأمن الإجتماعي نقل الموضوع المرجعي من الدولة إلى المجتمع، ورفع هذا الأخير إلى مصاف موضوع مستقل. ولهذا فإن من أبرز تحولات مفهوم الأمن هذا الإنتقال من الأمن كمفهوم يقوم على أساس بقاء الدول إلى مفهوم يقوم على أساس بقاء الأفراد والشعوب.
وهنا تأتي أهمية الأمن الاجتماعي والذي جاء في تعريفه أنه يخص قدرة المجتمعات على إعادة إنتاج أنماط خصوصياتها في اللغة، والثقافة، والهوية الوطنية والدينية والعادات والتقاليد، في إطار شروط مقبولة لتطورها وكذا التهديدات والانكشاف التي تؤثر في أنماط هوية المجتمعات وثقافتها.
في ظل هذه التحديات التي تهدد الامن الاجتماعي والذي اصبح له الاولوية من سائر انواع الامن الاخري مثل الامن العسكري والسياسي والاقتصادي والبيئي ، الامر الذي يجعل أكاديمية الامن العليا تضع استراتيجية اجتماعية ،وهي تعني مدى ثقافة أفراد الدولة أو المجتمع بما يتعرضون له من مؤامرات أو خطط تستهدف دولتهم بكل الأبعاد الخاصة بها مثل اقتصادها ، و حدودها الجغرافية أو ثقافتها أو نظامها السياسي ، عوامل استقرارها ، و أمنها، و هذا يعتمد على قدرة الدولة على تثقيف أفرادها ، و توعيتهم بحجم المخاطر التي تواجهها والمؤامرات التي تحيق بالدولة ، و شعبها ، و مدى المعرفة المجتمعية يعمل بشكل كبير على إفساد تلك الخطط ، و المؤامرات حيث إنها تكون قد فقدت خطورتها على الأمن القومي بشكل كبير نتيجة الثقافة المجتمعية الملمة بها ، بإبعادها.
وكما هو معروف أصبحت المهددات الأمنية تأخذ اشكالا مختلفة ولم يعد السلاح او المفهوم العسكري هو السائد كما كان سابقا واصبحت الشعوب مهددة بالفناء من غير سلاح ومن غير مواجهة مباشرة ، واليوم كثير من المنتجات التي تدخل الى البلدان تحمل في داخلها مخاطر كثيرة تهدد حياة الشعوب ان كانت على المدى القصير او الطويل ، وهنالك العديد من النماذج ومنها الواردات التي تدخل البلاد ومن هنا تأتي أهمية دور الامن الاجتماعي من خلال وجوده في منافذ الدولة او في المؤسسات المعنية بالوارد من الخارج مثل الجمارك وهيئة المواصفات والمقاييس ، فكم من مخاطر تدخل البلدان في المواد الغذائية والمنتجات الزراعية وفي المواد التي يستخدمها الانسان مثل المنظفات والملابس والاحذية والمفارش ولعب الاطفال ، هذا فضلا عن الادوية والعقاقير الطبية وغيرها وغيرها ، ففي كل هذه الامور ان لم تفحص جيدا فانها تشكل تهديدا للمجتمع ، وذلك لان تطور البلدان ونموها يأتي من خلال البشر الذي تجتهد الدول في رفع مستوى التعليم واكتساب التطور التقني واعداد العلماء من خلال تبني الطلاب المتوفقين في المدارس والجامعات ، فلهذا يأتي الاستهداف للبشر بوسائل مختلفة، ومن هنا يتعاظم الخطر الذي يتهدد الانسان ، وكما هو معروف فان الانسان السوداني من أعظم السلالات البشرية في العالم وهو أصل الحضارة في العالم وهذا الامر سبب الكثير من التساؤلات في العالم بعد نشط هذا الامر بصورة مكثفة خلال الفترة الماضية ، والامر الثاني ان الصورة الزاهية التي يرسمها أهل السودان في الخليج واوربا وامريكيا وبقية دول العالم تؤكد اصالة معدنهم وفعلا انهم هم اصل الحضارة في العالم ، فلهذا لا يستبعد ان يكون هدفا في يوم من الايام عن طريق الاستهداف غير المباشر والذي اشرنا الى طرقه المستخدمة في العالم .
ومن هنا يبرز الدور المهم لاكاديمية الامن العليا في رفع الامن القومي عند عامة اهل السودان وان يكون للاكاديمية تواصل مع التعليم العام في السودان وذلك من خلال جرعات ترفع من نسبة الوعي الامني بشكل عام عند طلاب المدارس من خلال المنهج او من خلال تدريب المعلمين انفسهم على هذا الامر ، وان يكون للاكاديمية تواصل مع التعليم العالي من خلال رفع الوعي الأمني عند طلاب الجامعات وهم شريحة ستكون مستهدفة ، فان أكاديمية الامن العليا منوط بها بالتعاون مع اساتذة الجامعات ان تجد الوسائل والآليات التي تزيد من نسبة الوعي في الجامعات السودانية، وان يتعدى الامر الى وزارة الشباب والرياضة، باعتبار الشباب هم الشريحة المستهدفة لانها الدولة ذات النسبة العالية من الشباب في سكانها فان فرص النمو والتطور فيها كبيرة ، والأمر الثاني أن الشباب مستهدف من خلال نشر المخدرات في وسطه وانها شريحة قابلة للتكيف ما لم تكن يحميها سياج آمن من هذه المخاطر ، واعتقد ان اكاديمية الامن العليا يجب ان تكون معنية مع غيرها بالامن البشري وهذه أعظم رسالة ان تؤديها مؤسسة في السودان.