التزوير وأثره على الأمن القومي السوداني

بهاءالدين-مكاويأعلن جهاز الأمن والمخابرات الوطني في الاسبوع الماضي عن ضبطه لخمس شبكات اجرامية تخصصت في تزوير مختلف انواع المستندات والاختام ، وقال مدير الاعلام بالجهاز ان هذه الشبكات تقوم بتزوير شهادات ثانوية وجامعية تشمل شهادات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه ، كما تقوم بتزوير الشهادات الخاصة ببعض المجالس المهنية ، بالاضافة الى توثيقات مزورة ، واصدار شهادات الميلاد وقسائم الزواج والطلاق والافادات المصرفية والاختام.
وقال مدير الاعلام بجهاز الأمن والمخابرات الوطني ان الجهاز تمكن من خلال الرصد والمتابعة الدقيقة وباوامر تفتيش من النيابة المختصة وتحت اشراف قانوني كامل ، من القاء القبض على 11 متهماً اعترفوا بجريمتهم وانه سيتم تسليمهم الى نيابة أمن الدولة لاتخاذ الاجراءات القانونية ضدهم .
وفي الواقع تكررت هذه الظاهرة في السنوات الاخيرة فعلى سبيل المثال ضبطت السلطات اواخر العام 2014 عصابة تعمل في تزوير الشهادات الجامعية والبطاقات الشخصية وشهادات البحث لسيارات ، كما افلحت السلطات في اواخر العام 2015 في القاء القبض على عصابة تعمل في تزوير الشهادات الجامعية والثانوية بولاية الجزيرة ، بل ضبطت اجهزة الأمن خلال عام 2015 معملا لتزوير مستندات صندوق الاسكان وشهادات بحث الاراضي ورخص القيادة ولوحات المركبات والشهادات الجامعية وشهادات الزواج والطلاق وتزييف العملات ، وتزوير عقود عمل لدول عربية ، ليس ذلك فحسب ، بل ضبطت الجهات الأمنية اختاما لوزارات سيادية ووزارات اتحادية وولائية ، واتضح ان افراد العصابة يستعينون بخبراء في مجال الحاسوب وكان من بينهم من يحمل درجة الماجستير في مجال علوم الحاسوب ويتعاون مع احدى الجامعات العريقة .
ان ما قام به جهاز الأمن والمخابرات في هذا الصدد يستحق الاشادة والتقدير لما لهذه الممارسات من مخاطر على « الأمن القومي السوداني » بصورة مباشرة ، نعم الأمن القومي لان هذه الممارسات تؤدي الى فقدان الثقة في مؤسساتنا العلمية والمهنية والاقتصادية وتقود الى اختلاط الحابل بالنابل ، فيمكن تخيل استاذ جامعي يحمل درجة دكتوراة ويعمل في جامعة ليخرج اجيالا لا تعرف شيئا ويظل تأثيره ممتدا لعقود من الزمان ، او احد يحمل شهادة مزورة من المجلس الطبي او الهندسي لمزاولة العمل في هذه المجالات الحيوية التي تتوقف عليها حياة الناس . او قسائم زواج لاشخاص غير متزوجين اصلا، او قسائم طلاق لاشخاص مستمرين في عش الزوجية ، او مات احدهم وهو متزوج من اخر لا يزال على قيد الحياة فتأتي قسيمة الطلاق المزورة لتحرمه من حقه في الإرث ، او افادات مصرفية مزورة تضلل المؤسسات التي يتعامل معها هؤلاء الاشخاص وتورطهم في معاملات مع اشخاص ليس لهم اية مقدرات مالية .
وفي الواقع يمر السودان في الوقت الحالي بمرحلة دقيقة من تاريخه وذلك بسبب كثرة الوافدين من بعض الدول العربية والافريقية ممن يحمل بعضهم قدرات خطيرة في مجال التزوير بشتى صوره ، وما لم تكن الأعين مفتوحة والجهات الأمنية على درجة عالية من اليقظة والاستعداد فسيحدث ما لا تحمد عقباه ، وستستفحل الظاهرة وتنتشر وتتمدد ، ويصعب حينئذ التصدي لها ومعالجتها ، وبالتالي فهذه محاولة للاختبار وجس النبض من قبل هذه العصابات ، فان تم التعامل معها بالحزم اللازم انحسرت وتلاشت ، وان وجدت تهاونا او تراخيا او لا مبالاة فستنتشر ويصعب بعد ذلك التصدي لها .
ان مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة تتطلب تعاونا من كل الجهات الرسمية والشعبية ، فلا بد من تضافر جهود الاجهزة الأمنية كافة في هذا الصدد ، ويتطلب ذلك تزويد هذه الاجهزة بالمعدات والامكانيات للتعامل مع هذه الظواهر في اطار القانون ، وقد اشار مسؤول الاعلام بجهاز الأمن والمخابرات ان عملهم المتعلق بالخلايا الارهابية قد تم بطرق قانونية وتم التفتيش بامر النيابة ، وهذا بلاشك مما يحسب للجهاز حتى لا تكون مثل هذه الممارسات مدخلا لانتهاك الحريات ، وحتى لا ندخل في جدلية الأمن والحرية ، لانه لا أمن دون حرية ولا حرية دون أمن .
ويقتضي هذا الامر حزمة من الاجراءات من قبل المؤسسات الحكومية التي تتعرض او يمكن ان تتعرض مستنداتها للتزوير، كأن تسعى الى تغيير اختامها وتصميمها بطريقة يصعب تزويرها، كما يقتضي الامر ايجاد آلية فحص قوية في المؤسسات المختلفة بحيث تكون قادرة على كشف التزوير في هذه المستندات.
لكن اهم الخطوات التي يمكن ان تسهم في مكافحة الظاهرة امران: الاول دعم الأجهزة الأمنية بالمعينات والكوادر اللازمة لمواجهة مثل هذه الظواهر الخطيرة، والثاني هو ردع الذين تثبت ادانتهم في هذه الجرائم حتى يكونوا عبرة للاخرين لان التعاطف مع امثال هؤلاء المجرمين من شأنه ان يغري جماعات اخرى بممارسة مهنة التزوير لما فيها من عائد كبير وسريع.
ان ما يجب التأكيد عليه هنا هو ان التزوير في المستندات الرسمية يعد من أبرز انتهاكات الأمن القومي وهو ما يتطلب استنفار كل مؤسسات الدولة لمواجهته ومحاصرته والقضاء عليه في إطارالقانون، ومن خلال التنسيق الدقيق بين الجهات المعنية بالأمر وتبادل المعلومات في هذا الصدد، كما يقع على عاتق المواطن الدور الأكبر في مكافحة الظاهرة من خلال الوعي بخطورة الامر والاستعداد للمشاركة في محاصرته وكشفه. كما يجب على الدولة سن القوانين الرادعة للذين يقومون بهذا العمل الاجرامي الذي يضر بالبلاد وأمنها وسمعتها.