معاناة المواصلات.. «الساقية لسة مدورة»تقسيم خطوط المواصلات.. عندما تغيب الرقابة تتولد المعاناة

تحقيق: تهاني عثمان

126078_0برغم الزيادات التي توالت على تعرفة المواصلات والندرة في العديد من الخطوط و بالأخص الخطوط الطويلة الا ان ذلك لم يسهم في وفرة مواعين النقل العام، ولا زالت المواصلات تشكل احد أهم الازمات التي تقبض بخناق ولاية الخرطوم ، التي يتنقل فيها يوميا وعبر الموصلات العامة ما لا يقل عن خمسة ملايين وستمائة الف مواطن يستخدمون المواصلات العامة التي تضم وفقا لاحصاءات ولاية الخرطوم «18000» حافلة ركاب بالاضافة الى «300» بص تتنقل بين «27» خط مواصلات رسمي ، وعلى الرغم من كبر اسطول المركبات العامة الا ان مليون ونصف المليون من المواطنين يعانون بسبب الفجوة في مواعين المواصلات يوميا، اضافة الى الندرة فان المواطنين يعانون من مشكلة التعرفة اذ لجأ اصحاب الحافلات الى تقسيم الخطوط الطويلة الى اكثر من خط كما ابتدع سائقو المركبات اسلوبا جديدا في زيادة التعرفة عبر نقل الركاب من خارج المواقف ما افرز ظاهرة وقوف الركاب على طول الطريق وخلو المواقف من المركبات والمواطنين.ما بين الزيادات وعدم الاستقرار في السوق اخذت تعرفة المواصلات تتأرجح من مركبة لأخرى بعد قرار وزارة المالية بزيادة اسعار الوقود بواقع «27،5» جنيه لجالون البنزين بدلا من «21 جنيها»، و«18» جنيها لجالون الجازولين بدلا من «13» جنيها، الى ان تم اعلان الزيادة الرسمية للتعرفة التي وصلت الى الضعف في كثير من الخطوط الطويلة، بينما تجاوزت ال60% في غالبية خطوط المواصلات ، وعلى الرغم من ان ذلك التوجه احدث قليلا من الانضباط في عدد من الخطوط الا ان ALSAHAFA5-4-2017-5العشوائية لا زالت تضرب خطوط المواصلات ويلجأ غالبية سائقي المركبات الي تقسيم الخطوط الطويلة الى نقطتين او ثلاث نقاط. كنتيجة طبيعية لعجز التعرفة الامر الذي تحدث به الكثير من سائقي المركبات وملاكها ، الذين اكدوا ان التعرفة المقررة من قبل غرفة النقل لا تفي بمتطلبات التشغيل وبناء علي ذلك تم تعديل التعرفة وزيادتها الي نسبة تجاوزت ال50% في بعض الخطوط الطويلة الا ان ذلك لم يعالج المشكلة بطريقة جذرية وظهرت مشكلة انصاف الخطوط في اعقاب تأخير تعديلات التعرفة حيث ظهرت الكثير من الخطوط في المنتصف وفي بعض الخطوط الطويلة تجاوزت النقطتين الي ثلاث نقاط او اربع ما القى بعاتقه مباشرة علي المواطن المستهلك اليومي للمواصلات.
الساقية:
ظل مواطنو ولاية الخرطوم يشتكون بصورة متكررة من زيادة التعرفة التي اصبحت قابلة للتغير وفقا لحركة دوران الشمس اليومية، حيث قال المواطن احمد عمر الطيب: يوميا في حركتي من السلمة جنوب الخرطوم الي السوق العربي لا بد من توفير حوالي «30» جنيها فقط لاحتياطي المواصلات في رحلتي الذهاب و الاياب وعلي الرغم من قصر الطريق الا ان صعوبة الوصول الي النقطة المرادة عبر خطوط مواصلات ضلت طريقها الي المنتصف يجعل من الصعب السير بطريق واحد وثابت.
عبد اللطيف الخير احد مواطنى الكدرو قال في حديثه «للصحافة»: ما بين الدخول للخرطوم والعودة للكدرو تستقطع المواصلات حوالي 25 جنيها يوميا بعد ان تم تقطيع الخط الرئيس للمواصلات، واصبحت التعرفة من كبري الحلفايا حتى لفة الكدرو «4» جنيهات ومن لفة الكدرو جنيهين، ولفة الكدرو ام القرى جنيهين.
اختلاف الليل والنهار:
و قال الامين علاء الدين المكي من مواطني بحري الشعبية ان الامر اصبح قضية كبيرة لها علاقة بالجشع وطمع اصحاب المركبات الذين لا يراعون ظروف المواطن في ظل غياب الرقابة ،وعدم التعامل مع القرارات بمنهج علمي شفاف ، واضاف ان غياب الرقابة الرسمية اسهم في التلاعب في اسعار التعرفة ، بالاضافة لعدم وجود سعر محدد في الخطوط والعمل وفق هوى السائق في التعرفة خلال اليوم. فتعرفة الصباح تختلف من تعرفة الظهيرة والمساء وبالتالي أرهقت المواطنين خاصة القاطنين في أطراف المدينة والأكثر فقراً وهم الأحق بالمعالجات دون غيرهم ، وطالب القوني بوجود قانون رادع والتزام أصحاب المركبات بالخطوط المصدق بها ، وقال إن نقل الركاب من خارج الموقف أفرز مظاهر سالبة في اصطفاف المواطنين في الطرقات.
تعرفة غير مجزية :
وقال السائق البشرى الطيب «للصحافة» ان زيادة تعرفة المواصلات غير مجزية مع التكلفة العالية التي تمت في التكلفة التشغيلية للمحروقات من الزيوت و المدخلات والاسبيرات واللساتك والتأمين ، واضاف ان اتجاه السائقين الي تقسيم الخطوط من اجل تغطية العجز الذي يحدث نتيجة ارتفاع التكلفة التشغيلية للمركبات وارتفاع اسعار قطع الغيار.
البعد عن خط الوسط :
وفقا لاحصاءات ولاية الخرطوم في مجال المركبات بالولاية التي تحصلت «الصحافة» علي نسخة منها فان عدد بصات الركاب العاملة في شركة المواصلات والخاصة يبلغ «300» بص بالاضافة الي و«18000» حافلة ركاب ، في حين ان عدد الحافلات المعطلة في الولاية وصل الي «7000» حافلة، بالاضافة الي «10.000» تاكسي وليموزين ، و «100.000» ركشة ، كما تشير دراسات الولاية الي ان العمل جار لشراء «250» بصاً جديداً لصالح شركة المواصلات وتأهيل «150» بصاً معطلاً حاليا بشركة المواصلات.
الا نه فيما يخص ترخيص المركبات فان عدد المركبات المسجلة بولاية الخرطوم حوالي «700.000» عربة ، في العام الماضي تم ترخيص عدد «511» من البصات بالاضافة الي تسجيل «36» بصاً تسجيلا جديدا، في حين تمت اعادة ترخيص «6196» حافلة وتسجيل «710» تسجيل جديد . ما يشير الي ان الترخيص يمثل احد عوائق عمل المركبات في الخطوط الكاملة حيث يلجأ العديد من السائقين الي العمل في خطوط المنتصف البعيدة حتى لا يضطرون الي دخول قلب العاصمة والوقوع في رقابة رجال المرور ومراجعة التراخيص والغرامات .
تمدد السكان يفاقم الازمة :
وزير البنى التحتية والمواصلات بولاية الخرطوم المهندس حبيب الله بابكر اكد أن القطاع الخاص يمثل «85%» من منظومة النقل والمواصلات بالولاية، ولفت الى أن مصلحة المواطن في إطارها الصحيح لا تتعارض مع مصلحة القطاع الخاص ، وقال حبيب الله ان معدل نمو السكان الضخم اسهم في زيادة مشكلة المواصلات ، واضاف : «من اجل فك الاختناق فان الخرطوم وفقا للمخطط الهيكلي والدراسة العلمية تحتاج الي اربعة كباري نيلية اضافية وإلى «22» كبري طائر حسب الدراسة العلمية».
واضاف انه وفقا لنظم تشغيل خطوط المواصلات فان ولاية الخرطوم بها «27» موقفا، ومن بين سكان ولاية الخرطوم هناك مليون ونصف شخص يعانون من مشاكل المواصلات وندرتها من جملة خمسة ملايين وستمائة شخص يتحركون يوميا داخل العاصمة بينما مليون ومئتان من مواطني الولاية يستخدمون المركبات الخاصة «الملاكي».
مخالفات صارخة :
وربط مسؤول هندسة السلامة بالجمعية السودانية لحماية المستهلك المهندس مرتضى دعوب في حديثه «للصحافة» ما بين تغيير الخطوط ومواقف المواصلات وبين الفوضى التي تضرب قطاع المواصلات وغياب الرقابة وقال ان تغيير مواقف المواصلات لا يضع في الاعتبار حق المستهلك في التنقل ، وفي ذات الوقت تمنح سائقي المركبات فرصة لاستغلال المواطنين ، من خلال فرض زيادة غير قانونية علي التعرفة يتكبد تكلفتها المواطن ، واكد دعوب وجود تقصير في المتابعة واختزال من قبل سائقي المركبات للخطوط وطالب المواطنين بالتبليغ عن مخالفات المواصلات لدي نيابة حماية المستهلك الواقعة شرق ميدان ابو جنزير جوار مبني سينما كولوزيوم . واضاف نرى انه من حق المواطنين تقديم شكواهم في المخالفات التي تقع في الخدمات المقدمة لهم .
وناشد مهندس مرتضى دعوب نيابة عن الجمعية السودانية لحماية المستهلك اجهزة الدولة بفرض الرقابة واحكام السيطرة علي قطاع المواصلات لان المواطن اصبح يدفع اموالا اكثر من المقررة قانونيا واكد دعوب ان غياب الرقابة اسهم في اختزال مسافات الخطوط وصار السائق هو من يتحكم في سعر التعرفة في ظل ندرة الحافلات في المواقف الرسمية وطالب بوجود قانون رادع والتزام أصحاب المركبات بالخطوط المصدق بها .
سيطرة القطاع الخاص :
الاستاذ المشارك في جامعتي المغتربين والسودان الدكتور محمد الناير قال في بادرة حديثه «للصحافة» ان قضية المواصلات بها فوضى كبيرة وللاسف ناتجة هذه الفوضى عن ان ولاية الخرطوم لا تمتلك شركة ناجحة في مجال النقل ، وكل العواصم في دول العالم لها وسائل متعددة للنقل منها النقل البري بالبصات والمترو ومترو الانفاق والنقل النهري كخيار متوفر في الخرطوم طبيعيا ، واضاف من المفترض ان تمتلك ولاية الخرطوم مشاريع ناجحة ولا تنظر للربح تستهدف من تلك المشاريع تغطية تكلفة التشغيل مع هامش ربحي تحافظ من خلاله علي استمرارية تقديم الخدمة ، وفي الخطوط الداخلية لا بد لولاية الخرطوم من التركيز علي مشروع الطريق الدائري وان يتم تشغيله بواسطة شركة حكومية ومثل هذه المشاريع لا تكون جاذبة للافراد والقطاع الخاص ولكنها من شأنها فك الاختناق والضغط داخل قلب العاصمة حيث تمر الخطوط بالطريق الخارجي دون المرور بمركز الخرطوم .
واضاف الناير ان احد مشاكل الولاية ان كل مؤسسة تؤدي خدماتها بطريقة تجارية ربحية وهذا ما اضر بقطاع المواصلات والذي يحتاج حتما الي اعادة دراسة تعتمد فيها علي القطاع العام ، مع العمل علي رفع سيطرة القطاع الخاص عن المواصلات والذي تكاد تفوق نسبته 95 % .
غياب مشاريع المترو والنقل النهري :
واكد الناير «للصحافة» ان تمدد القطاع الخاص هو الذي جعله مسيطرا علي المواصلات خاصة في الحافلات التي يعمل فيها السائقون وفق المزاجية وعدم التقيد بالخطوط الرسمية للحافلات وتجزئة الخطوط ومضاعفة سعر التعرفة واستغلال ظروف المواطن في ظل غياب الرقيب ، لذا لا بد لحكومة الولاية ان يكون لها دور في معالجة قضية المواصلات ان لم تكن في توفير المواعين فلا بد لها من فرض الرقابة علي مخالفات القطاع الخاص .
وفيما يتعلق بقضية ترخيص المركبات قال الناير: سعيا لتوفير الخدمات للمواطنين يجب ان تعمل الولاية علي معقولية رسوم الترخيص للمركبات التي تقدم خدمات عامة طالما الولاية عاجزة عن توفير المواعين الكافية لذلك ، واكد مجددا ضرورة ان تكون للعاصمة وسائل نقل «بصات» تتبع للقطاع العام موزعة في كل خطوط الولاية وبتعرفة مناسبة ومستقرة ، مع ضرورة التفكير في تنفيذ مشروع الميترو حتى اذا لم يكن مترو انفاق تحت الارض يتم تنفيذه علي سطح الارض ، كما يجب استصحاب مشروع النقل النهري كأحد الوسائل الارخص في تكاليف التشغيل ، وان كان يعاب عليه البطء الا انه يمكن ان يساعد في تقليل الضغط علي المواصلات ويوفر خيارات للمفاضلة.