محــكمــة قــــاريـــة للأفــــارقـــــة

الخرطوم : فاطمة رابح
Untitled-1g copyأصدر «40» من رؤساء القضاء ورؤساء المحاكم العليا في إفريقيا و الذين اجتمعوا في السودان مؤخرا ، «إعلان الخرطوم» الذي يتضمن عددا من المخرجات العلمية القانونية تشتمل علي تكوين تحالف قضائي إفريقي فاعل، وتعزيز التعاون القضائي ضماناً لسيادة حكم القانون واستقلال القضاء ، والجرائم العابرة، بجانب تطوير آليات النظام القضائي.
وطالب القضاء باتخاذ التدابير الكفيلة لتعزيز دور القضاء الإفريقي في مكافحة الفساد ومحاربة الإرهاب والتطرف، بجانب إنشاء محكمة العدل الإفريقية لتكون المرجع الأساس لتحقيق العدالة القائمة علي البينة في حل النزاعات، مع إنشاء مركز تحكيم إفريقي لفض النزاعات بين دول القارة وفقاً للأطر القانونية،علما بان المؤتمر قد اعتذرت عنه جنوب أفريقيا وذلك «لارتباط رئيس قضائها ببرنامج مسبق».
ولقد قاومت الدول الأفريقية عبر التاريخ الرقابة القضائية المتجاوزة للحدود الوطنية لسيادة تلك الدول حيث جاء اتخاذ الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب وإنشاء المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب طبقاً لميثاق عام 1987 بمثابة العلاقة التي أبرزت تنقيطاً محدداً علي تلك السيادة لاسيما وإن الدول الأفريقية في أعقاب العقود الماضية تمكنت من تطوير رقابة قضائية هائلة تتجاوز الحدود الوطنية، وإن كانت لا تزال خجولة، وبسبب هذا التطور، فإن معظم الدول الأفريقية اليوم طرفاً في آلية أو أكثر من آليات الرقابة القضائية المتجاوزة لحدود الدول الأفريقية.
وانعقد مؤتمر الأفارقة بالخرطوم في اعقاب المؤتمر القانوني الأول لنقابة المحامين الأول تماشيا مع توجهات الحكومة في عملية الاصلاح القانوني وما قاله في فاتحة اعمال المؤتمر نائب الرئيس حسبو محمد عبد الرحمن :ينبغي ألا يكون العدل سلعة للأغنياء والمقتدرين ولا بد أن يكون متاحاً للجميع.
فيما تتمثل رؤية القضاة الأفارقة ان المؤتمر يجئ إيمانا منهم بالدور الريادي الذي يحققه القضاء الأفريقي بصفة عامـة و القضاء السوداني بـوجه الخصوص ، تـعزيـزا للسـلام و الأمـن و الاستقـرار في القارة الأفريقية وفـقا للميثاق الأفريـقي لحقـوق الإنـسان و الـشعوب و المواثـيق ذات الصـلة، ولقد بـادرت السلطة القضائية السودانية في يونيو 2016م و بمبـاركة كريمة من رئاسة الجمهورية باستضافة مؤتمر رؤساء القضاء و رؤساء المحاكم العليا بأفريقيا كأول مبـادرة لاجتمـاع قضـائي للقـارة الأفريـقية بمدينة الخرطوم في الشهر الجاري ابريل، و ذلك تقوية لأواصر الإخاء و إعزازا للانتماء الأفريقي و إحقاقا للعدالة الأفريقية مثلما لم يعد ممكناً النظر إلي فكرة المحكمة الأفريقية القارية غير أنها فكرة قد حان آوانها ، فأنه يوجد الكثير الذي يمكن للمحكمة الأفريقية القارية إن تضيفه للأنظمة القضائية الأفريقيـة السـائدة وأنه في إمكـان دولـنا المسـاهـمة بخـبرات محاكـمها وهيـئاتها القـضائـية الإقـليمية في ذلك تـوجد مجـموعة من العـوامل والاعتبـارات المتحفزة للدول الإفريـقية كي تـسعي بـقوة نـحو التـكامل القـضائي ، ومن أبرز هذه العوامل التقارب الجغرافي:الغالبية العظمي ـ إن لم تكن كافة دول القارة ـ لا تفصل بينها حدود طبيعية، بل هي في أغلبها الحدود الهندسية التي وضعها الاستعمار، تشابه النظم السياسية وجود رأي عام مشجع لعملية التكامل القضائي حيث تتعطش الشعوب الإفريقية إلي أي خطوة تجمعها أو تقربها من بعضها بعضا ، وجود تجانس ثقافي: خاصة بعد ظهور وشيوع ثقافة الفضائيات وشبكة المعلومات الدولية الإنترنت،
الاشتراك في التطور التاريخي والاجتماعي فقد عانت كافة الدول الإفريقية من الاستعمار ومن الصعوبات الاقتصادية في الفترة التالية علي الاستقلال، ومن تراكم الديون ومن سلبيات التبعية الاقتصادية لدول الاستعمار السابق، كما تشترك جميعها في الاهتمام بتجنب الآثار السلبية للعولمة ومحاولة إظهار الاهتمام بحقوق الإنسان وسيادة القانون والشفافية والمساءلة المحاسبية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو لماذا توافق القضاة الأفارقة علي قيام محكمة قارية، وهل يعني ذلك عجز الأجهزة العدلية الوطنية في مساءلة الجرائم المرتكبة في كل بلد من البلدان.
وبحسب المحلل السياسي عبدالله رزق في حديثه لـ«الصحافة » انه محور رئيسي من محاور الصراع السياسي في افريقيا واصبحت الشغل الشاغل لكل الملتقيات الافريقية علي أعلي المستويات.
ويري رزق أهمية تفعيل أجهزة العدالة في كل بلد من البلدان الافريقية كأولوية وهو واجب وطني واخلاقي يتعين القيام به قبل اللجوء لقيام محاكم قارية ستخضع لكثير من الأحوال للارادة السياسية.
في المقابل يؤكد الخبير السياسي والمؤرخ التاريخي ناصر السيد لـ«الصحافة » ان المؤتمر وان كانت غاياته جيدة الا أن الأنظمة الافريقية مازالت تقع تحت القبضة الأمريكية بينما أوقفت الأخيرة الدعم المالي للأفارقة حيث قضت الأوضاع الحياتية المعاشة الي دفعهم نحو الهجرة.
ويقول مولانا الطيب هارون رئيس نقابة المحامين السودانيين ان تجمع القضاة الأفارقة يعتبر غير المسبوق ويهدف لترسيخ مبدأ حكم القانون واستقلال القضاء خاصة وان السودان له تجربة راسخة في هذا المجال ، كما يعتبر فرصة لتبادل الخبرات والاراء القانونية .
واضاف ان منظومته تدعم الاتحاد الافريقي للوصول لميثاق يوحد التشريعات علي مستوى القارة ويضع قواعد لحماية سيادة القانون واستقلال القضاء.
وقال اسماعيل الحاج موسى رئيس لجنة التشريع الاسبق بالمجلس الوطني لـ«سونا» ان القضاء السوداني معترف به في افريقيا والدول العربية والاسلامية، مشيرا الي ان كل النهضة القانونية في دول الخليج قامت علي اكتاف قانونيين سودانيين وساهموا في اعداد الدساتير والتشريعات في تلك الدول ، واضاف بان وضع القضاء السوداني واستقلاليته لا توجد في كل الدول من حولنا، مشيرا الي ان جمهورية مصر وزير العدل يشرف علي السلطة القضائية ، وفيما يتعلق بالدساتير والتشريعات، قال ان دستور 2005م قد كفل الحقوق والحريات التي لامثيل لها في عدد من الدول، بينما نعت عادل عبد الغني المحامي المؤتمر بالانجاز التاريخي، مشيرا الي انه بمثابة قمة عدلية لاتقل اهمية عن قمة الاتحاد الافريقي، حيث ان قمة الاتحاد قمة للسلطة التنفيذية وقمة القضاة قمة للسلطة القضائية، وقال ان المخرجات ستسهم في أن تكون افريقيا وحدة عدلية متكاملة خاصة في ظل ثورة الاتصالات والمعلومات،وربط معظم الدول برا وجوا الشئ الذي يجعل من التعاون القضائي الافريقي ضرورة ملحة يجب العمل علي ترسيخه، وأضاف ان ريادة السلطة القضائية للجانب القانوني تأتي تأكيدا علي عدة مسائل تتمثل أولا في لاعتراف الافريقي باستقلال القضاء السوداني، وثانيا النظرة الافريقية للسودان بانه القلب الجغرافي الذي يستطيع توحيد كل القضاء الافريقي الي جانب تفهم الدول لدور القضاء السوداني ومكانته العريقة، كما يؤطد لدور القضاء السوداني في افريقيا وريادته للمؤسسات العدلية.
ويعتقد أحمد المفتي مدير مركز الخرطوم الدولي لحقوق الانسان والخبير القانوني ان البلاد يمكن أن تستفيد من تبادل الخبرات الوطنية في ادارة شئون القضاة في ظل اختلاف نظم الحكم الافريقي التي تحكم بها الدول الافريقية وهي النظام الفرنسي والبريطاني والاسلامي مما يثري تجربة سيادة القانون اضافة لمساهمته في إنشاء المحاكم الاقليمية كمحكمة الكوميسا مقرها الخرطوم ومحكمة حقوق الانسان في غينيا، بالاضافة لذلك يمكن ان تسهم المخرجات في الوصول لحلول تساعد في الحد من الجرائم العابرة للحدود كجرائم الاتجار بالبشر والمخدرات وغسيل الاموال والارهاب وطرق مكافحتها وتبادل المجرمين.