الرواية ما بعد القومية

زوايا : عماد البليك

زوايا : عماد البليك

الرواية ما بعد القومية post-nationalism novel اصطلاح يراد به الرواية التي استطاعت تجاوز/أو التحرر من فكرة المكان التقليدي في العمل الروائي، من ارتباط النص بالجغرافية التي ينتمي إليها كاتب النص، حيث ثمة افتراض ظل سائدا إلى وقت قريب أن الأعمال الأدبية لابد لها أن تناقش هموم المناطق التي تنتمي لها، أي تلك التي ينتمي إليها المؤلفون.
لكن بحسب منظرين أكثر حداثة في النقد والتأريخ الروائي، كـ روبرت إيغلستون في مؤلفه Contemporary Fiction: A Very Short Introduction «الرواية المعاصرة. . مقدمة قصيرة جدا»، فإن ثمة العديد من القيم والاصطلاحات والمفاهيم التي ظلت سائدة لفترة طويلة في هذا الإطار، تعرضت لخلل بنيوي وحقيقي، من خلال التجارب الحديثة في الكتابة، وهذا يترادف مع صورة العالم الجديد الذي تشظت فيه حكاية الإنسان المنغلق على المكان والجغرافية، إلى الانفتاح على المضمون والمحتوى الإنساني ككل، ويساعد على ذلك تقنيات العصر الجديد والانترنت والوسائط الاجتماعية اللامحدودة في التواصل مع الدنيا.
بهذا فالروائي/ الكاتب لم يعد يكتب عن هم محصور في إطار محدد من المكان والحيز أو الزمكان، حيث ربط المكان بجهة تاريخية أو أحداث بعينها تحدث في بلد ما، فقد تجاوز التاريخ الحديث الخط الكرونولوجي لمعنى الأحداث وتفسيرها أو محاولة تأويلها في النص، كما أن المكان قد تشظى ولم يعد موجودا إلا كفضاء من المجازات.
وفي السودان فالرواية ما بعد القومية كتبت فعليا من قبل كتاب الجيل الجديد من الروائيين في الألفية الثالثة، فقد كتب محسن خالد رواية «الحياة السرية للأشياء» وكتب هشام آدم «السيدة الأولى»، وكتبت أنا «القط المقدس»، وكل هذه الروايات بالإضافة لأعمال أخرى، تتخذ فضاءات غير سودانية كما أنه ليس من بين شخوصها أي فرد ينتمي للهوية السودانية، والمكان أيضا خارج الوطن الأم تماما.
وتحتاج الرواية «ما بعد القومية» إلى دراسة متعمقة لمعرفة الأسباب والموحيات التي تنطلق منها، في الأفكار بحد ذاتها، من حيث منطلقات الكاتب، إلى ما بعدها من مساحات القراءة والتأويل ومحاولة فهم النص ومضامينه، كما يطرح هذا النوع من الأدب أسئلة حول: أين تقع حدود الإبداع وأين لا تقف؟ وهل بالإمكان تأطير الإنسان داخل حيز المدرك في التجربة والمرئي في المفهوم الإبداعي في فن الرواية بالتحديد؟!
وهنا يرى روبرت إيغلستون بأنه «جرت العادة التقليدية أن يُنظر إلى الرواية بأنها مكان يتمّ فيه الكشف عن التقاليد القومية وبما يعزّز روابط الجماعة البشرية التي تمثلها الـ «نحن»، ولكن الروايات الحديثة غدت معولمة على نحو مضطرد، فهي تعبر الحدود الفاصلة بين التقاليد والثقافات وتمازج بينها».
هذه تشير بشكل عام إلى مسألة أكثر حساسية تتعلق بالأجيال الكلاسيكية أو تلك التي تحاول أن تهيمن على النص بسلطة الأمس أو بالقواعد التي لا يمكن الاقتراب منها «خيانة»، بحيث تلفت الانتباه سواء للكاتب أو القارئ – النمطي – أيضا إلى أنه ثمة مساحة جديدة من التخييل تنفتح أو تأسست عمليا، وعلى الإبداع أن يتحرر من أشكال الوصاية المقيدة بحدود الهوية والأنا التقليدية وغيرها من صور تحاول أن تعزل الإنسان عن كونه ينتمي لعالم متسع وغير تقليدي مطلقا.