سرد سريالي بلسان الحيوان يتناول عالم الضب.العرفج لصحيفة «الصحافة»: سقط اللوى تستخدم الفلاش باك

ALSAHAFA 10-4-2017-31صدر عن نادي حائل الأدبي ودار المفردات رواية للكاتب والاديب والشعر والصحفي السعودي محمد عزيز العرفج بعنوان «سقط اللوى». والرواية مثل حكايات كليلة ودمنة للفيلسوف بيدبا التي ترجمها عبدالله بن المقفع ومثل حكايات الحيوان لليوناني أيسوب عن توظيف مشاكل الإنسان على لسان حيوان.
وقال العرفج في لقاء مع «الصحافة» ان أحداث الرواية جاءت على لسان الحيوان الشعبي (الضب) في 70 صفحة بسرد سريالي وبتقنية الفلاش باك عن عالم الضبان.
الرواية فيها إسقاطات اجتماعية عربية ورمزية جسدها مكان وأبطال الرواية، يلتقون في عدة حبكات وعقد يتم انحلالها مع السرد إذ قسم العرفج فصول الرواية إلى: الشيخوخة بعد الرجوع إلى الوطن، العودة من الغربة، الغربة، المراهقة، النهاية، حتى الخاتمة الأليمة غير المتوقعة، وهي رواية يمكن أن تقرأ من الكبار كذلك، كما حصل مع السرديات على لسان الحيوان.
حوت الرواية على شروحات في الهامش عن مسميات علمية والبيئة المحيطة به في الأراضي العربية، وجاء في الرواية: (كان الضبّ العربي ينظر إلى الطريق, التي سلكت منها مركبة الأجرة الصغيرة، وتذكر سلوكه الطريق نفسها, بعد أن تم تسجيل المركبة باسمه، وأنه أثناء سيره توقفت قبالته؛ بشكلٍ فجائي.. مركبة فارهة..حديثة الطراز؛ فاصطدم بها، ثم أحسّ باصطدام مركبة أخرى, من الخلف، وسمع أصوات اصطدامات عديدة).
ترجّل وقتها من مركبته؛ فشاهدها مصدومةً من الأمام، ومن الخلف أيضاً؛ لم ير صاحب المركبة الفارهة ينزل من المركبة.. لكنه شاهد صاحب المركبة, التي اصطدمت بمركبته من الخلف، وهي من طراز قديم شاهد فيها مكوناً, وحسلاناً سالمين
كان صاحب المركبة القديمة علباً هزيلاً.. تبدو صلعته البيضاء المجعّدة مثل العمامة، ويرتدي جلداً أبيضاً فضفاضاً، وعلى خدّيه الأسمرين اللامعين بعض الشقوق.. أقبل على العربي, وحمد الله على سلامته، فردها له الضبّ العربي، وتعارفا، ثم شاهد كلٌ منهما.. عدة سيارات خلف مركبتيهما مصطدمة ببعضها البعض
أبلغ العلب إدارة المرور عبر الهاتف عن الحوادث, ومكان حصولها.. سأله الضبّ العربي:
-ماذا يقول قانون المرور هنا في مثل هذا الحادث؟
فاستدرك العلب:
-نظام.. يسمونه هنا نظام!
-عفواً.. نظام المرور؟
-النظام يقتضي هنا أن من يقف بمركبته؛ بشكل فجائي.. متسبباً باصطدام المركبات التي تسير خلفه، فإنه قطعاً يقوم بدفع قيمة قطع الغيار، بل وإصلاح جميع المركبات, التي تسبب لها في حادث بدءاً من المركبة التي خلفه
-نظام عادل!
-طبعاً .
بدأ العلب ينظر إلى المركبات الخلفية.. عدّها فوجدها تسع مركبات.. قام بوضع يده على كتف الضبّ العربي المقوّس, والصلب، ثم قال:
-نحن في هذه البلاد.. نعيش حرباً غير معلنة رسمياً!
قال الضبّ العربي.. مستوضحاً:
-وكيف ذلك؟!
رد العلب، وهو مازال يضع يده على كتف الضبّ العربي:
-الحوادث اليومية الكثيرة.. هي حرب حقيقية مع الحياة الفطرية وإنمائها!
ثم أبعد يده؛ ليلوح بها قائلاً:
-أنا مقيم في هذه البلاد منذ تسعين ظهيرة، وحتى الآن.. لا أعرف ما السبب الذي يجعل الضبّان يسرعون, بهذه السرعة الجنونية التي تشاهدها في هذا الطريق الآن؟!
التفت الضبّ العربي إلى الطريق، وشاهد مركبات كثيرة تتلاحق، ثم أدار دفة الحوار قائلاً:
-المشكلة أنه لا يوجد لديهم دار سينما؛ لكي يخشوا عدم اللحاق ببداية عرضٍ لفيلمٍ ما!
-ولا دار أوبرا أيضاً؛ كي يقلقوا من فوات حركةٍ أو حركتين!
-ولا صديقات يواعدونهن كذلك!
-كما أنهم لا يحافظون على أوقات أعمالهم جيداً!
-وماذا تفعل الحكومة حيال ذلك؟
-الحكومة ترأف بحالهم وبذويهم؛ لذلك عدّت مرتباتهم مثلا لضمان الاجتماعي لهم!
-قصدتُ حيال منع وقوع مثل هذه الحوادث؟
-آها .. إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء!
التفت العلب, إلى الضبّان المتجمهرين, من أجل الحادث.. ابتسم قبل أن يقول:
-ومع ذلك تبقى هذه البلاد جميلة, وشعبها ظريف رغم من يسيء لها في الداخل!
أعقب الضبّ العربي :
-ومن يمثلها في الخارج أيضاً!
قال العلب برأسٍ مهزوز:
-لو أنك رأيت التكافل الاجتماعي هنا في شهر رمضان؛ لتمنيت أن يبقى رمضان طوال العام!
-لو بقي رمضان طوال العام؛ لما بقي للظلم في هذه البلاد موطأ قدم!
-أظنك تعني ظلم أصحاب الأعمال!
-وغيرهم من أفراد المجتمع!
تقدم العلب إلى الضبّ العربي, الذي برقت عيناه؛ ثم ربت على كتفه بعنف، وهو يقول:
-الظلم هو سبب الاكتئاب الذي يعيشون فيه الآن، ولكي تواجهه كل ما عليك هو أن تقول: حسبنا الله ونعم الوكيل!
-حسبي الله تعالى ونعم الوكيل عليهم!
**
بعد طول انتظار.. أتت مركبة المرور.. نزل منها سبحل مرور منفوخ البطن.. يرتدي جلداً مكويّاً بعناية.. توجّه إلى المركبة الفارهة؛ ليتحدث مع صاحبها, الذي لم ينزل منها، منذ وقوع الحادثة.
لمحه الضبّ العربي والعلب.. كان عيراً تتبيّن من ملامحه أنه لا ينتمي لمطلع الشمس.. ناول سبحل المرور الذي وقف له بالباب.. عدداً من البطاقات, وجواز سفره الأزرق اللون، وما إن رآها الشرطي حتى بدأ بالإسهاب في الحديث معه.. سأل الضبّ العربي:
-هل يتقن سبحل المرور اللغة الراطنة؟!
نظر العلب إلى السبحل متفحّصاً، ثم أجاب:
-لا أعتقد.. لأن أغلبهم.. إن لم يكن جميعهم ..لا يتقنونها، فهم لايتقنون لغة الأخلاق جيداً، فكيف تريدهم أن يرطنوا؟!
أطلق الشرطي مع الغريب – الذي تبيّن أنه يتقن لغة الضبّان ـ ضحكة عالية.. غادر بعدها الغريب مودعاً الشرطي.. حملق ضبّنا والعلب في بعضهما, قبل أن يتقدما إليه حيث بادرهما قائلاً:
-كلٌ يقوم بدفع تكاليف إصلاح المركبة التي أمامه!
ثم التفت إلى صاحبنا، فقال:
-أما أنت، فإنني أخبرك.. أن الغريب قد تنازل عنك!
قام العلب بتذكير السبحل بتطبيق نظام المرور, في هذه الحالة.. قال الشرطي:
-هذا يرجع إلى قرار شرطي المرور.. لستَ بأعلم مني في تطبيق النظام!
نظر العلب, إلى حسلانه ومكونه، ثم التفت إلى الضبّ العربي الذي قال له:
-قد تنازلتُ عنك أيضاً، فأنا لا أريد منك شيئاً!
قال العلب بامتنان:
-جزاك الله خيراً ياشيخ عربي!
ركب الضبّ العربي مركبته؛ ليتحرك بها فلم تعمل! قام بعد ذلك بنقلها فوق ناقلة, إلى أقرب محلٍ؛ لتشليح المركبات, بمبلغ مائة وخمسين ورقة،وذلك لبيعها هناك بنقودٍ قليلة من أوراق الرمث، وهناك نسي الجملة التي قالها لوالده, وطالما كانت تسترجع في ذاكرته، كما نسي سورة الفلق, التي طلب منه العير الأرمد ترديدها.. حين مرّت على باله فكرة جميلة: وهي أن يغمض عينيه، ويتلو بصوتٍ مرتفع:
-قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس، من شرّ الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس!
ثم فتح عينيه؛ فلم يرَ غير قطعٍ محطّمة, من المركبات المبعثرة هنا,وهناك، وصوته يتردد حولها في أرجاء المكان:
– الذي يوسوس في صدور الناس.. صدور الناس.. الناس