آليات الأمن وآليات السلام

422ـ يخلط بعض أصحاب الهوى بين مساري الأمن و السلام ، و يقول قائلهم بأن الحركات المسلحة قد حمل أصحابها السلاح بحجة أنهم مظلومون سياسياً
وإقتصادياً وتنموياً ، بينما أن ذات الحاملين للسلاح يدمرون البنية التحتية ويروعون المواطن بنفس المناطق التي كان الزعم والإدعاء بأنهم يستهدفون رقيه وسلامته ، و حظه في الثروة والمتعة ، وهنا يكمن التناقض .
ـ و في المقابل هناك من يقول إذا كانت الحكومة قد فتحت قلبها للتفاوض حول السلام ، فلماذا تجيش الجيوش ، وتحشد الآليات الأمنية في مواجهة الحركات المسلحة؟ والذي يتبنى مثل هذا القول يود من الحركات المسلحة أن تفعل ما تريد بالمواطن ومؤسساته تشريداً وتدميراً ، بحيث تبقى الحكومة متفرجة بائعة للسلام مقابل التخريب والتخويف ، و هذا القول لا يستقيم إلا إذا كان قائله من أصحاب الغرض والمرض ، أو من أولئك الذين يلوون عنق الحقائق، أو من يدعون رؤية الشمس ، لكنهم في حقيقتهم فاقدو بصر و بصيرة ، وعديمو ذمة و ضمير.
ـ والأمن كما نعلم وطيد العلاقة ، ووثيق الصلة بالاقتصاد ، وسبل كسب العيش ، والحفاظ على الأرواح ، والممتلكات ، وإلا لما كان قول الحق تبارك
وتعالى رابطاً بين الأمن والجوع ، «الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ» «قريش ، آية4»
ـ أما السلام فلا يرفع من أجله سلاح ، ولا يصلح معه قول ، أو فعل مستفز ، ذلك لأن السلاح حامله يستهدف القتل ، والذي يدافع عن نفسه ، إما أن يكون قاتلاً ، أو مقتولاً ، وإذا كان السلام غاية نبيلة للحركات المسلحة ، فكيف تجروء على تجنيد الأطفال ، و المغامرة بحياتهم ؟ وما هي دوافعها
عندما تقطع الطرق ، وتنهب القرى؟ وما هي علاقة السلام بمهاجمة المدنيين ، وإرهابهم وإجبارهم على ترك ديارهم؟ وفرق شاسع بين القوة الضاربة
لإستتباب الأمن والسلام الذي تحرسه القوة ، فالقوة هي قوة السلام ، وليست سلام القوة ، والسلام حتى عندما يكون تحية قولية ، لا بد من ردها باحسن منها ، أو على الأقل بمثلها .
ـ و الحكومة عندما تقبل بالمفاوضات إنما هي تتخذ أسلوب الإستماع للطرف الآخر ، وتقدير وجهة نظره دون إغفال لموضوع من شأنه أن يقود نحو الجنوح للسلم ، ودون التمييز بين جماعة وجماعة ، وبذلك تكون الحجة مقابلة للحجة ، ومن ثم يصبح الحل العادل هو الذي ترتضيه الأطراف مرشداً نحو طريق السلام وتحقيق أهدافه .
ـ والحرب التي طال أمدها بين الشمال والجنوب ، لم تضع أوزارها بآلية حرب ، ولكن بإتفاق مشهور حدثت فيه تنازلات وإنسحابات لم تفلح آلية الحرب أن تصل إليها بالرغم من الفرق الشاسع بين الحرب في جنوب السودان ، وما يفعله حملة السلاح بجنوب كردفان و النيل الأزرق ، إذ كانت حرب الجنوب بين الجيش السوداني والتمرد المسلح ، و لم يكتب تاريخ تلك الحرب عبارة واحدة حول تخريب جرى ، أو تدمير حلَّ لقرى جنوب السودان بفعل المتمردين آنذاك بقتل أهلهم ، وكان التمرد آنذاك في مواجهة جيش ، وليس كما يفعل المتمردون الآن ممن يسمون أنفسهم قطاع الشمال ، أو الجبهة الثورية ، و الذين يا للحسرة يفتكون بأهليهم ، و يغتصبون ممتلكاتهم ، ويدفعونهم قسراً بإختيار النزوح والهجرة .
* كما يقول الله سبحانه وتعالى : «هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَار» «الحشر، آية 2».
ـ والذين ينادون بترك حملة السلاح يسرحون ويمرحون بتبرير واهٍ مفاده وجوب التفاوض معهم ، حتى وإن سعوا إلى إضطراب الأمن ، و توغلوا في استخدام أسلوب العصابات وقطع الطريق ، فإن مثل تلك المناداة لا تتسق مع أبجديات وأسس التفاوض ، وعندئذ لا تكون النهايات إلا بضرب السلام وأهدافه في مقتل ، وآلية الأمن ينبغي ألا تكف الحكومة عن إستخدامها ، و ليس ذلك أمراً شاذاً وإنما هو العرف السائد ، في جميع دول العالم ومجتمعاته ، بمثل ما تضطلع الشرطة الاتحادية والولائية في بلدان تتبنى ما يسمى بالنظام الديمقراطي بدور محوري لتهيئة الأجواء لحياة آمنة بتقفي آثار المجرمين وملاحقتهم ، وتوجيه الضربات الموجعة لهم ، ليس تشفياً ، و إنما حفاظاً على حياة المدنيين ، وعملاً من أجل إستتباب النظام ، ووصولاً إلى ما يقود نحو الطمأنينة .
ـ فإذا خططت مجموعة في الولايات المتحدة الأمريكية لإرتكاب جريمة ، فإننا لا نجد من يدعي بأن تلك المجموعة قد إرتكبت جرمها من أجل السلام ، بل نجد إجماعا مطلقا من المواطنين الأمريكان ، مطالبين بالقضاء على مثل هذا الجرم بالقوة التي لا هوادة فيها ، وهي قوة لحفظ الأمن والتمهيد لإحقاق السلام .
ـ والذين يخلطون بين الجهود المبذولة للإستقرار الأمني ببلادنا ، و بين السلام ، قد يدفعهم نحو ذلك الجهل على أقل تقدير ، ومما هو مؤكد بأن للأمن مساراً يقتضي استخدام القوة حسماً و حزماً ، وأن للسلام مساراً آخر يلتقي فيه الرأي بالرأي وبين هذا وذاك لا توجد المتشابهات ، وعلى الذين يخلطون بين المصطلحين إتقاء مثل تلك المتشابهات ، «عن أبي عبد الله النعـمان بن بشير رضي الله عـنهما قـال : سمعـت رسـول الله صلي الله عـليه وسلم يقول : إن الحلال بين وإن الحـرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعـلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فـقـد استبرأ لديـنه وعـرضه ومن وقع في الشبهات وقـع في الحرام كـالراعي يـرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجـسد مضغة إذا صلحـت صلح الجسد كله وإذا فـسـدت فـسـد الجسـد كـلـه ألا وهي الـقـلب».