السودان.. ماضي وحاضر ومستقبل التسوية السياسية في دولة جنوب السودان «2»

ALSAHAFA 13-4-2017-5سعى أبناء دولة جنوب السودان نحو الانفصال عن الدولة السودانية، اعتقاداً منهم أن الدولة المستقلة هي الآلية الأنسب للتحرر بكل أبعاده، دون أن تأخذ في الحسبان المخاطر والتحديات التي يمكن أن تقود إلى ماهي عليه اليوم. فترتب على عملية الانفصال ارتفاع معدل الانشقاقات بين التيارات السياسية داخل دولة الجنوب ، علاوة على الاقتتال بين الجماعات الإثنية، إضافة على ضعف المؤهلات الإقتصادية التي تقود إلى أن تكون دولة جنوب السودان دولة مستقرة.
تطرقنا في الحلقة السابقة الى بعض الإشارات لموقف السودان من التسوية السياسية بدولة جنوب السودان ودعم الاستقرار فيها عبر العلاقات الثنائية بين البلدين رغم عدم إعارة جوبا اهتماما بما يقوم به السودان لدعم الاستقرار السياسي والأمني في تلك الدولة الجارة الجديدة حتى تنهض بشعبها . لم يكتف السودان بهذا بل كان له دوره الفاعل والأساسي والمؤثر تناغماً مع دول المنطقة والإقليم لتتكامل أدواره ومجهودات في تحقيق التسوية السياسية في دولة جنوب السودان.
تحرك السودان عقب انفجار الأوضاع بدولة جنوب السودان عبر الاتحاد الأفريقي الذي أدان العنف ، ووصف الوضع بالحرب الأهلية ، وشكل فريقاً من المحققين للوقوف على طبيعة الأمر على خلفية ما أسماه مذبحة بانتيو ، مهدداً في ذات الوقت تحويل ملف دولة جنوب السودان إلى مجلس الأمن الدولي. وسعى السودان أن يتم الأمر عبر المنظمات الإقليمية . ونتيجة لذلك تحول الملف لمنظمة الإيقاد ، فزار وزير الخارجية السوداني غندور ضمن وفد الإيقاد جوبا وقدم الوفد رؤية للحل السياسي بين الطرفين والذي تطور فيما بعد إلى لجنة الوساطة. وكانت الإيقاد أكثر تفاعلاً مع الصراع ، واقترحت إرسال قوة لحفظ السلام في دولة جنوب السودان ، وهو الاقتراح الذي أيدته مفوضية الاتحاد الأفريقي. وترأست اثيوبيا فريق الوساطة الذي لعب فيه السودان الدور الأساسي والمحوري وشارك في كل قمم الإيقاد التي عقدت بشأن الأزمة وكان له دور فاعل في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء وتقديم الرؤى والمقترحات للقمة ووساطة الإيقاد لتحقيق التوافق ووقف نزيف الحرب وتحقيق السلام. كما شارك النائب الأول لرئيس السودان في اللقاءات التوافقية بين الطرفين في نيروبي دفعاً لجهود التسوية السياسية ودعماً لدور الإيقاد في معالجة الأزمة. وبتلك المجهودات توصل الطرفان إلى اتفاق بوقف اطلاق النار وتسوية سياسية مما أحدث تقدما نسبيا في اتجاه التسوية السلمية.
تقدم السودان خطوات أكثر إيجابية تجاه الوضع في دولة الجنوب لتحقيق الأمن والاستقرار هناك . وأردف ذلك بتوفير كميات مهولة من الأطعمة والأدوية المنقذة للحياة لشعب دولة الجنوب ..فرحب السودان ودعم خطوات وخطة الترويكا حول إغاثة جنوب السودان ووافق السودان على فتح حدوده لمرور المساعدات الإنسانية كالتزام أخلاقي تجاه شعب جنوب السودان لمواصلة جهوده من أجل تحقيق الأمن والاستقرار بجمهورية جنوب السودان. كما تعاون السودان مع سفارات دول الاتحاد الأوروبي التسع في الخرطوم، ووافق على فتح ممرات إنسانية لإيصال المساعدات الإنسانية لجنوب السودان.براً ، عبرت تلك الدول في بيان مشترك، ترحيبها بهذا القرار .تزامنت مع تلك المجهودات للتهدئة داخل دولة جنوب السودان بالسعي للتوافق بين الفرقاء سلفاكير ومشار ، علاوة على العمل مع المحيط الإقليمي عبر منظمة منطقة البحيرات العظمي ومحاولة لم شمل القارة لتحقيق الاستقرار ، كما كان للسودان دور فاعل في لجنة ( السيسا) لتحقيق الأمن الإقليمي وتسوية النزاعات فيه عبر الحوار والتفاهمات بدلاً من لغة السلاح التي يضرر منها الإنسان وليس القادة والزعماء. وركز القادة الأفارقة مجهوداتهم على قتال حركات دارفور وقطاع الشمال بجانب قوات الجيش الشعبي مقابل الدعم المادى والعسكري مما ساهم في زيادة الأزمة في دولة جنوب السودان.
عموماً السودان ظل على الدوام مجتهداً في احلال السلام في دولة جنوب السودان لاعتبارات كثيرة منها أنها دولة كانت جزءاً من السودان ، وعليه إلتزامات أخلاقية تجاهها حتى تقف على اعمدتها ومن واجب السودان أن يساعد في تثبيت تلك الأعمدة بالإضافة أنها دولة جارة واستقرارها يصب في استقرار المناطق السودانية الحدودية معها ، وهذا بدوره يساعد في استقرار الدولة السودانية نفسها، علاوة على أن أمن الإقليم يحقق الأمن والسلام العالميين وهو هدف يسعى له السودان وبذل في تحقيقه كل غال ورخيص باعتباره دولة رائدة ونشطة في تحقيق الأمن والاستقرار في افريقيا ، ويعول عليها العالم كثيراً في هذا الاتجاه.
تعلم حكومة الجنوب جيداً أن أي تسوية سياسية في الجنوب لا تتم بمنأى عن السودان لاعتبارات معلومة ، ولكنها تكابر في ذلك وتريد ان تأخذ دون أن تعطي ، والعطاء هنا أن تكف عن الدعم العسكري للحركات المتمردة التي تحارب الشعب السوداني في دارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة. وأن تلتفت إلى مصالح شعبها والخروج به من النفق المظلم الذي أدخلته فيه ، جراء عداءات إقليمية ودولية نتيجة عناداتها ضد القرارات الأممية والدولية لحل التسوية السياسية.