هيئة علماء السودان تلقي حجرا في بركة ساكنة.تعدد الزوجات .. الأمن القومي من منظور اجتماعي

مسارات

مسارات

نقلت رسائل «الواتساب» قبل فترة صورة من خطاب رسمي صادر من مفتي احدى دول الجوار الافريقي يدعو فيها الى تعدد الزوجات وان اي رجل يجب ان يتزوج من امرأة ثانية او ثالثة ، وان الحكومة يمكن ان تعينه في أمر الزواج الثاني او الثالث وتقدم له بعض المعينات مثل السكن وغيره والتي جاءت في صورة هذا الخطاب الرسمي، والذي لم يكتف بهذه الدعوة فقط لتعدد الزواج، ولكن أرفق هذه الدعوة بعقوبة تقع على الزوجة الاولى في حالة انها منعت زوجها من الزواج بثانية وكذلك الحال على الرجل ان رفض ان يتزوج امرأة ثانية ، والعقوبة في الحالتين هي السجن المؤبد للرجل او المرأة .
ومن واقع هذه العقوبة يتضح انها من نوع العقوبات التي تقع في حدود الخيانة الوطنية ، باعتبار ان دعوة هذا المفتي في تلك الدولة لم تأت من فراغ او من منظور اجتماعي فقط ، ولكن واقع هذه الدولة يقول ان نسبة الرجال اصبحت فيها قليلة جدا في مقابل ارتفاع عدد الاناث بصورة كبيرة أدت الى اختلال ظاهر وكبير في الدولة التي خاضت معارك مع جارتها لسنوات طويلة افقدت الكثير من الرجال ، وكذلك هجرة البقية الى دول افريقية مجاورة او الى اوربا بصورة شرعية او غير شرعية ، وحصيلة الامر ان النقص الكبير في عدد الرجال او الذكور بصفة عامة أصبح هماً كبيرا لهذه الدولة وان هذه الفتوى التي صدرت من مفتي الدولة هي جزء من علاج المشكلة ، والتي هي حقيقتها مشكلة «أمن قومي» في المقام الاول ، وربما تكون هنالك اجراءات اخرى لحل هذه المشكلة لعدد من الدول التي تواجه نقصا كبيرا في عدد الذكور مقابل الاناث ، مثل وضع شروط الخروج من البلاد او السعي الى ايجاد مشاريع لاستقرار الشباب داخل البلاد باعتبار ان هذا الامر يحل مشكلة البطالة ووسط الشباب الساعين للهجرة من اجل تحسين أوضاعهم او توفير مبالغ من المال لاقامة مشروعات صغيرة تناسب وضعهم وامكانياتهم الفنية او العلمية ، والامر الثاني ان وجود الذكور من الشباب داخل البلد يمثل جزءا مهماً في عملية الامن القومي لان عدد السكان والنوعية ومستوى التعليم ومستوى توفر الخدمات تمثل واحدا من اهم الاشياء في استقرار وتطور البلد وبالتالي هي جزءا مهم في أمنها وحمايتها من أي تدخل ثقافي او اجتماعي ، ناهيك من أي تدخل عسكري .
وغير بعيد من تلك الدولة الافريقية التي أمر مفتيها بوجوب تعدد الزوجات ، وايقاع عقوبة رادعة تتمثل في السجن المؤبد لكل من يرفض الزوجة الثانية او الثالثة للرجل او المرأة التي تمنع زوجها ، فقد ظهرمقطع فيديو لاحدى الدول العربية التي تعرضت لغزو اجنبي من قبل الولايات المتحدة الامريكية وهي العراق فقد تناولت واحدة من المحطات الفضائية العراقية قرار وزارة الداخلية الذي فرض على الجاليات العربية الزواج من عراقية او مغادرة البلاد ،وقد تناول مقطع الفيديو الذي بث على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي ان القرار طبق بصورة فورية الامر الذي لم يمكن أبناء الجاليات العربية في مجرد التفكير في اتخاذ القرار الذي يتناسب مع اي فرد من ابناء الجاليات العربية المقيمين في العراق ، حتى ان بعض المحافظات العراقية مثل محافظة المثنى طلبت من وزارة الداخلية التريث في انفاذ هذا القرار بهذه الصورة .
ويبدو ان حالة دولة العراق مثل حال تلك الدولة الافريقية ، والعراق فعلا قد واجه صراعا مستمرا مع ايران منذ بداية الثمانينات بعد قدوم اية الله الخميني للحكم في العام 1979م وبعد دخول العراق الى ارض الكويت ودخل في معارك التحرير التي قادها التحالف الدولي ، ثم جاءت فرية امتلاك العراق لاسلحة الدمار الشامل ، وما تبعها من سيناريوهات ادت في النهاية لغزو العراق ، كل هذه المعارك افقدت العراق الكثيرمن الرجال الذين لقوا حتفهم جراء هذا العمل العسكري المستمر من عام 1980الى 2003م والذي انتهي باحتلال العراق ومن ثم جاءت الجماعات المتطرفة مثل داعش وغيرها فضلا على الصراع المذهبي بين الشيعة والسنة ، وكانت حصليته موت الالاف من العراقيين جراء الموت الجماعي بالسيارات المفخخة والاحزمة الناسفة في أماكن التجمعات الكبيرة في الاسواق واماكن الاحتفالات الدينية والمساجد وغيرها .
ويبدو ان دعوة الجاليات العربية للزواج من عراقيات تجيء في اطار مفهوم الأمن القومي لان عدد السكان في تناقص مستمر بسبب الحروب والهجرة وكذلك هو الحال في تلك الدولة الافريقية والفرق بينها والعراق انها أمرت مواطنيها ، ولم تأمر الجاليات لانه لاتوجد جاليات في تلك الدولة الافريقية بالقدر الذي يسمح لها بتعميم هذا الامر وأكتفت بمواطنيها فقط .
وفي السودان أفردت الصحافة السودانية مساحة واهتماما للخبر الذي نشرته وكالة السودان للأنباء «سونا» امس الاول على لسان الشيخ محمد عثمان صالح رئيس هيئة علماء السودان الذي دعا الى تعدد الزوجات للحد من تصاعد معدلات العنوسة والطلاق وسط النساء في البلاد، إضافة إلى تفشي البطالة وسط الشباب بمعدلات خطيرة، الذي يؤدي لانحرافات سلوكية، وأكد صالح أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح,
واستشهد أ.د. محمد عثمان صالح رئيس الهيئة ، بقوله تعالى «انكحوا ماطاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع وإن خفتم أن لاتعدلوا فواحدة»».
وقال إن هذه الآية القرآنية الكريمة توضح بجلاء أن الله تعالى قد أجاز التعدد في الزواج بشروط العدل والحاجة لهذا الزواج باعتباره سنة الله في خلقه.
أما فيما يتعلق بالشرط الثاني المتعلق بالحاجة لهذا الزواج، أكد أن الحاجة ماسة في هذا العصر للتعدد في الزواج لظروف تحتمها بعض العوامل والضرورات والمشكلات الاجتماعية التي طفت على سطح المجتمع.
وأشار صالح إلى زيادة معدلات العنوسة والطلاق وسط النساء والزيادة الكبيرة في عدد الإناث مقابل عدد الذكور في المجتمعات السودانية.
وقد أثارت دعوة صالح لتعدد الزواج العديد من الاراء داخل المجتمع السوداني امس بعد تصدر هذه الدعوة معظم عناوين الصحف السودانية الصادرة امس الاول ، التي اخرجت الصحافة والمجتمع ومجالس المدن والارياف من تكهنات تشكيل الحكومة القادمة برئاسة الفريق اول بكري حسن صالح ، ويبدو ان دعوة صالح ان كانت في ظاهرها لمعالجة قضايا اجتماعية مثل محاربة العنوسة ومعالجة السلوكيات المنحرفة ، والاستقرار الاسري، الا انها لم تكن بعيدة من الأمن القومي ، حيث ان المجتمعات اصبحت في كثير من الحالات هدفا استخباراتيا عبر الوسائل الثقافية والاجتماعية والنفاذ اليه بعدة طرق منها استغلال الظروف الاجتماعية والاقتصادية ومن هنا تأتي أهمية حماية المجتمع من أي اختراقات يمكن استغلالها لضرب النسيج الاجتماعي ،الذي يمثل واحدة من دعامات الأمن القومي في أي بلد.