قـضـايـا مـتـنـوعـة وبعضها شائك

422٭ قد نفهم أن مشكلات المجتمع قد بدأت تنحصر فى معضلة واحدة، أو عددٍ قليل، ولكن واقع الحال يقول عكساً لذلك، فالمشكلات تلاحق بعضها إلى درجة الاشتباك، وما من سبب واحد وراء الذى جعلها بهذا الشكل، إذ تتعدد الأسباب، كما تتعدد أسباب الموت لكنه واحد فى حقيقته، ولا مجال لبشرٍ أن يفرَّ منه ، ولو احتمى بالبروج المشيدة المدعمة بأعمدة الخرسانة ومواد التسليح.
٭ والواقع المعاصر كاد تعجز قضاياه المختلفة الدول والقيادات ورموز المجتمع، وأصبحنا اليوم تحت الرحمة الإلهية، ولولاها لما بقى على الأرض بشرُُ ولا شجرُُ.
٭ وديننا الإسلامي يدعونا إلى عدم التضجر، وألا يتسرب اليأس إلى نفوسنا، فلكل ظرف معالجات، ولكل أجلٍ كتاب، وليس من إجراء لمغالبة كبد الحياة وضنكها أكثر من الصبر والإيمان بالله، انتظاراً للفرج وتحقيق الفلاح والنجاح.
٭ فهناك قضية عدم التواصل بين الأجيال، إذ نجد أن الشباب فى وادٍ ومن هم قد تجاوزوا سن الشباب بقليل أو كثير فى وادٍ آخر، ويكفى أن نشير إلى أن الأبناء حتى بعد التخرج في الجامعة والاستعداد لخوض غمار الحياة ليس لديهم الاستعداد لتحمل المسؤولية، أو حتى تتبع ما يحدث فى بيت والدهم من أعطاب.
٭ وحاجيات الحياة هى كذلك أضحت من أعقد العناصر، فالذى كان يمد رجله على قدر إمكاناته، أصبح اليوم لا يرضى بواقعه، لا فى الملبس ولا المشرب ولا المسكن، مما أدى إلى انحرافات فى السلوك تتصاعد درجتها كتصاعد الدخان، وهذه قضية شائكة تحتاج إلى نظر وبحث، وليس من السهولة أن يوصف لها علاج، لأنه علاج للنفس التى مرضت، وما أصعب علاج النفوس إذا تكالبت عليها الأدواء.
٭ والمعضلة التى فشلت شخصياً لأخاطب جذورها وأتأمل فى طريقة تشخيصها، هى أن المجتمع ، وأي مجتمع، فى وقتنا الراهن، قد طغت عليه اتجاهات الأثرة والطمع والأنا الا من رحم ربى، وها نحن نرى بأم أعيننا كيف يتطاول الناس فى البنيان، وكيف يسارع البعض  متعجلاً من أجل امتلاء البطون وأكل الطيب من الطعام، وبالمقابل نرى من يتقاتلون على سلطة، وغيرهم من يقاتل من أجل قطعة خبز وقارورة دواء، وفى تقديرى أن أسباب ذلك يكمن الجزء الأكبر منها فى شره السلطة والتسلط، وطمع جمع المال درهماً كان أو دولاراً أو قطيفة، وقد نجد أسباباً أخرى ما أنزل الله بها من سلطان.
٭ وما يؤرق ويقض المضاجع، أن هذا العالم لم يعد يرعاه العاقلون، فأصبح العقل قوة مجردة من سلاح المادة، والجهل مسلحُُ بكل ما هو مادى، وللأسف الشديد تم سوق العلماء والعلوم من أجل خدمة الجهل، لا من أجل حلَّ المشكلات التى يعانى منها بنو الإنسان.
٭ والقضايا فى هذه الدنيا ثبت من وحى الخبرة وتجارب التاريخ، أنها لا تجد من يخاطبها ويفك تشابكاتها بالبحث عن جهازٍ يصنع أو طائرةٍ تحلق أو سفينة تبنى، ولكن الحلول تكمن فى رسالة واضحة المعالم تتجه نحو إصلاح الإنسان من الداخل، قبل أن ننشغل بهموم تتمحور حول صناعة الأجهزة والمعدات.
٭ وما أعظم ما قاله برناردشو عندما سئل عن كيفية حل مشكلات الإنسان بقوله: «ما أحوج العالم إلى رجلٍ كمحمد صلى الله عليه وسلم ليحل له مشكلاته بينما يتناول فنجاناً من القهوة».
٭ ونحن نقول لا ينصلح حال هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، ودعكم من منافسات وأطماع وألوان من الجشع كادت تلحقنا بمصير عادٍ وثمود.