روايات خاصة : لحظات مسافرة

420«1»

من ألطف المشاهد وأشدها تأثيراً محاولة الشاعر أن يشرك محيطه كله في ذات حنينه الجارف وأشواقه الملتاعة ولهفته الجارفة، وبذلك يخلق حالة أكثر اتساعاً وواقعية وأكثر وقعاً، مثلما يقول الصادق ود الحلال:
تقاي المفلخ شلتوا في مشوارك
جوط واجوجي لا هسع بعيد مترارك
قال لي الهسال كان ترخي منه يسارك
بوريك ادعج النقع الفتق نوسارك
ويتآنس أحمد عوض الكريم أبوسن مع بعيره في مشواره ومسداره ويتدبر الطريق والمشاهد والمواقع:
في عز مشيه التيس وقف بي زافل
قال لي زولنا مو قدامنا نازل سافل
مسك السكة حم كفرو ومصع بي جافل
قال لي بدري تنزل في خديد الحافل
و الشاعر أبو الطيب المتنبي كان يتشارك مع بعيره أحزانا كثيرة، وربما لو أن الجمل استطاع أن يعبر عن احساسه لضحك من مسير أبو الطيب:
مازلت أضحك إبلي كلما نظرت
إلى من اختضبت أخفافها بدم
أسيرها بين أصنام أشاهدها
ولا أشاهد فيها عفة الصنم
«2»
ويناقض العباس بن مرداس كل احساس لابله وبعيره حين يقول:
لقد عظم البعير بغير لب ٭ فلم يستغن بالفطم البعير
يصرفه الصبي لكل وجه ٭ ويحبسه على الخسف الجرير
وتضربه الوليدة بالهراوي ٭ فلا نمير لديه ولا نكير
وكان قبله من قال:
كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ
والماء فوق ظهورها محمول
ويخالفهم ابراهيم الصولي:
ولو سئلت عني القلوص لاخبرت
عن مستقر صبابة المحزون
وفي مسدار الضكير يحس العاقب ان بعيره شديد الحساسية ووافر الخطو إلى مراد الشاعر وموطن محبوبته ويعطي إلى هذا الجمل قيمة المشاركة في الاحساس ويقول:
على الما قالوا منزوعة حيا وزفارة
موت يا الايدك أمست في الخبيب وفارة
حسايس الما بقن حوده وقضاء وكفاره
خلن عيني لي نومي اللذيذ نفاره
«3»
دخل الرسول «صلى الله عليه وسلم» المدينة المنورة مهاجراً من مكة، واستقبله الأنصار كل يأخذ بخطام الناقة، هلم إلينا يا رسول الله، هلم للعدد والعدة والسلام والمنعة، نحن نحميك يا رسول الله، والرسول «صلى الله عليه وسلم» يقول خلوا سبيلها – أي القصواء – فإنها مأمورة، وتسير الناقة تخترق أحياء المدينة وأزقتها إلى أن تصل حي بني النجار أخوال الرسول «صلى الله عليه وسلم»، بركت الناقة ولم ينزل عنها الرسول «صلى الله عليه وسلم»، ثم نهضت وسارت قليلاً وتلفتت ورجعت إلى مكانها الأول وبركت، وهنا تم بناء المسجد النبوي.. تلك بشارات الابل، فقد جعلها الله للتفكر «أفلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت»، والتدبر في خلق الله ونعمه، وكانت ناقة سيدنا صالح فتنة لقومه..
قال سعيد بن المسيب كانت القصواء ناقة الرسول «صلى الله عليه وسلم» لا تدفع في سباق، أي تسبقها ناقة قط في الجري..
وشاعرنا ود شوراني قال عن بعيره الذي لا يدانيه أحد في السباق
يا اللخدر عنانيف الجري الندار
وجن وراك دايرات خلاص التار
وكتين جرن ميس العناد الحار
جيت وشك خلاء وضهرك وراه كتار
«4»
٭ ويقدم أحمد عوض الكريم أبوسن أسباب مسيره وقد تقاربت الأحاسيس:
لي تعباً مطول منه خلاي حابسه
جبته الليله واتبوبح ضرب فوق يابسه
أبو خداً بيلمع بي الغضب مو عابسه
متوطئ الحشم توب المحامد لابسه
٭ ونورد بعضاً من مساجلات الشعراء في جمالهم، في قافية المجزومة والتي تعتبر الأصعب، ودون ترتيب، فقد قال الصادق ود آمنة:
كتح الصافي صماك يا أب سناماً رك
أبوك فارط القف القاد الروينة أم جك
على ست الصبا الدكانه قاطع اليك
رايق وطلق الحسكة أم حديداً شك
وقال كرار ود كردم:
بعد ما اتقنط الزهمول وصوتاً جبك
مشيك عنة ومسارعك برق ونايبك كك
على ست أم مرادة مني أبت تنفك
هجم كاضم كذي حاضن الحبارا برك
وقال العاقب الشكري:
مما قمت جاهل للغرد جرك
نقايب جدك السوسيو عليها عرك
عشوقي منزه الطبع العليو الرك
بعيد في نمايس البرق أب هطيلاً تلك
وكان الشاعر ود شوراني قد قال:
أب صلعة القطابي الطار بعد ما رك
واسرع منه يا الضافي زوعن وجك
على دكك الجنيبة الراجيها مك من مك
عنده جرى الهواء القالع بعد ما فك
وكان شيخ العرب قد ابتدر هذه المساجلة:
حر عنافي نسل أماتو قاطع الشك
وجده الأربد السابق خيول المك
على الرمى الحجيل بعد النزيل ما فك
بعيد يا أربد الشرق الموارك السك
وإلى الملتقى بإذن الله