صدر خلال البقعة وتناول اوراقا قديمة بعثر فيها الرجل سيرته الخاصة.قراءة في كتاب «ميسرة السراج مشكاة المسرح السوداني..قال ولم اقل»

د.محمود ميسرة السراج
ALSAHAFA 16-4-2017-31قرأت الكتاب الذي اصدرته البقعة قبل ايام وحمل عنوان «ميسرة السراج مشكاة المسرح السوداني ..قال ولم أقل» للدكتور فضل الله احمد عبد الله.. اول ما لفت انتباهي هذا العنوان الطويل ثم اصرار دكتور فضل الله على التذكير باستمرار بان هذا ما قاله ميسرة السراج عن نفسه ولم يقله هو «اي د. فضل الله» وبالتالي فهو يصف نفسه بانه فقط محرر لاقوال ميسرة السراج كما اوضح ذلك في تقديمه الضافي للكتاب.
اعتمدت المادة الاساسية للكتاب على الجزء الاول من مذكرات ميسرة السراج والتي تحكي عن الفترة الممتدة من اواخر الثلاثينيات حتى منتصف الاربعينات من القرن الماضي «بالتحديد يونيو 1946».. كان السيد الوالد قد كتب مذكراته عن المسرح السوداني في عدة اجزاء تغطي الفترة الزمنية من نهاية الثلاثينات حتى النصف الثاني من ستينات القرن الماضي وحملت المذكرات عنوان «رحلتي مع الفن في ربع قرن».. هذه المذكرات موجودة في مكان ما بين القاهرة والخرطوم الا ان الذي تمكنت من لملمته وحمله الى د. فضل الله هو الجزء الاول منها فقط.
احتوى كتاب البقعة على تصدير من الاستاذ علي مهدي حمل عنوان «ميسرة السراج المجدد ومفتاح المرحلة الثانية ثم تصدير ثاني من الاستاذ ابراهيم حجازي فمقدمة من دكتور فضل الله اوضح فيها انه يتبع في هذا الكتاب اسلوبا غير مألوف يتمثل في استنطاق «اوراق قديمة بعثر فيها الرجل سيرته الخاصة» ثم بعد ذلك جاء دور مذكرات ميسرة والتي كان يعلق على احداثها بين الحين والآخر دكتور فضل الله وكان احيانا يقوم بعملية مونتاج للمذكرات نفسها وتقديم وتأخير حسبما يقتضيه السياق واحيانا الاكتفاء بتفاصيل معينة، غير ان تلك التدخلات لم تكن كثيرة واحسست انا انها خدمت المذكرات ولم تكن خصما عليها.. الكتاب ممتع وشيق يقع في 124 صفحة من القطع المتوسط ويحتوي على معلومات جديدة ربما لا يعرفها اغلب القراء كما اشار الى ذلك الدكتور فضل الله منها ان ميسرة السراج هو اول من اسس فرقة مسرحية في السودان بدستورها ولوائحها ومسجلة عند السلطات «الحاكم العام البريطاني وقتها».. كان لافتا ان تكون الفرقة للتمثيل والموسيقى ايضا وكان عازفو الفرقة يقومون بتنفيذ الاغاني والموسيقى التصويرية للمسرحيات التي تقدمها الفرقة حية على الهواء مباشرة.. وهو كذلك اول من اشرك الفتاة السودانية في التمثيل الى جانب الرجل «ومغامرة اشراك الفتاة السودانية في التمثيل هو من امتع فصول هذا الكتاب وفيه وصف لمعارك رهيبة بين اعضاء تلك الفرقة المسرحية وبين السلطتين الدينية والسياسية كانت ساحاتها الاسواق والنوادي والجوامع والصحف وقف فيها المجتمع السوداني حينها بصلابة مع الشباب المسرحي المتمرد ضد السلطتين الدينية والسياسية ولعل الطف ما في الموضوع واكثره طرافة هو ان الجوامع كانت المكان الامثل لاكثر تلك المعارك ضراوة حيث كان الشباب المسرحي يتحينون فرصة صلوات الجمع للدعاية لمشروعهم في قلب الجامع وكثيرا ما كان الامر ينتهي باشتباكات بالايدي بين الطرفين».
كما اشار التصدير الذي كتبه الاستاذ علي مهدي الى ان ميسرة السراج هو اول من انشأ استديو اذاعي خاص وكانت مواده التي تبث عبر الاذاعة السودانية او اذاعة البي بي سي تحرص على الاشارة الى ان «التسجيل والمونتاج تم باستديوهات سودان فون».. كما كان الرجل اول من بنى مسرحا في السودان «بالمعنى الأشمل لكلمة مسرح» وكان كذلك اول من اسس شركة للسينما اضافة الى عدد آخر من الانجازات التي لم يتطرق اليها الكتاب.
اكد لي القائمون على ادارة البقعة ان طبعة منقحة ثانية ستصدر من هذا الكتاب كما سيصدر الجزء الثاني منه قريبا وانا هنا لا املك الا ان اعبر عن عميق امتناني لهم لتكبدهم مشاق التوثيق للوالد وللحركة المسرحية بصورة عامة واشكر الدكتور فضل الله احمد عبد الله على المجهود الضخم المبذول في هذا الكتاب واتقدم كذلك بشكر خاص لاستاذنا وفناننا الكبير علي مهدي فقد كرم السيد الوالد – هذا الرجل التسعيني الذي وهن العظم منه ووهنت الذاكرة – خلال عمره المديد باذن الله ثلاث مرات وقف خلفها جميعها استاذ علي مهدي وهذا شيء مؤثر جدا ومدعاة لاثارة المشاعر المتباينة في بلد لم تحفل قط بتكريم رموزها الثقافية والمسرحية والفنية.