السودان ..«غوث» .. و«عطاء» .. لشعب دولة الجنوب

تقرير: نفيسة محمد الحسن

ALSAHAFA17-4-2017-16فقر… جوع.. مرض.. فساد… كلمات تختصر معاناة البسطاء على رصيف الفقر في جنوب السودان ….كلمات تحمل معها واقعاً مؤلماً لفئة بعيدة عن أنظار مؤسسات المجتمع وسلّمت نفسها مجبرة لقسوة الحياة ومشقة البحث عن مصروف يومي تسد حاجتها وتكفيها مذلة السؤال.. فئة معدمة تخرج من بيوتها المتهالكة كل صباح وهي تحمل جراحها وآهاتها بحثاً عن أي شيء يشعرها أنها باقية على قيد الحياة…. وأنها ماضية لتعود وبعيدة لتقترب من الفقر أخاً وصديقاً يواسيها بآلامه وقسوته وحرمانه…. ثم تبقى مع كل ذلك تنتظر لحظة التغيير التي غابت عن الوجود والوجوه والظهور وكأن الزمن يدور بعقارب صامتة ومحزنة و ربما مخجلة.. أن العمر يمضي بهم وسط رصيف يواسي فيه كل واحد منهم الآخر…ويبكيهم لحظة ما يغيب أحدهم عن مكانه مودعاً حياته دون أن ينصفه زمن المصالح والأنانية…
ازمات انسانية…
مازالت الأزمة الإنسانية في جنوب السودان آخذة في التصاعد وبشكل سريع حيث وصلت المجاعة إلى مستويات جديدة مثيرة للقلق…. وأشارت تقارير للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية إلى أن الحرب شردت أكثر من 3.4 مليون شخص بما في ذلك 1.9 مليون نازح داخلياً وأكثر من 1.5 مليون شخص فروا إلى البلدان المجاورة كلاجئين…. ولم يزل السودان فاتحاً أبوابه للاجئي جنوب السودان…. حيث تدفقت ومازالت الاعداد في تزايد على الولايات الحدودية ….إضافة الى تسيير قوافل اتفاق لتمديد الممر الإنساني لستة أشهر …. وتسيير جسر للمساعدات الإنسانية لمواطني جنوب السودان ….فتقديم العون والنصرة لمن يحتاج إليها سلوك إسلامي أصيل… وخلق رفيع تقتضيه الأخوة الصادقة… وتدفع إليه المروءة ومكارم الأخلاق ..وهو ما عُرف بها الشعب السوداني…
توجيهات رئاسية…
قام السودان بتمثيل دوره الإنساني عقب توجيهات الرئيس عمر البشير لإعطاء الجنوب اولوية في العمل الانساني ..حيث وجه البشير بتقديم 10 آلاف طن ذرة لدعم المتضررين من المجاعة فى جنوب السودان، وذلك تواصلا للمساعدات التى تقدمها الخرطوم فى هذا الشأن، بجانب فتح المسارات لتوصيل المساعدات، وإيواء آلاف اللاجئين الجنوبيين… وتنادت على اثره منظمات العمل الطوعي قاطبة للتوافق على إيجاد رؤية واستراتيجية لإنقاذ الموقف وإيصال المساعدات للمحتاجين قبل دخول فصل الخريف الذي قاربت أيامه لانه سيعيق الحركة امام المنظمات لوعورة الطرق ويصعب عليها إيصال المساعدات الى المحتاجين… وقطعت الحكومة بعدم استبعادها فتح جسر جوي لإيصال المساعدات الإنسانية إلى دولة جنوب السودان من مطار الأبيض حال هطول الأمطار واستمرار المجاعة بالجارة الجنوبية…. حيث بدأت عملية إغاثة المتضررين من الحرب بجنوب السودان عبر المسار الذى يمر من مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان إلى هجليج وربكونا وصولاً إلى بانتيو، بجانب مسار يتفرع منه عبر المجلد إلى أويل… وذلك بهدف نقل نحو 30 ألف طن مترى من المساعدات الغذائية…. وقبل ايام غادرت مدينة الأبيض دفعة ثانية من الإغاثات لمواطني دولة جنوب السودان وهي تحوي 962 طنا متريا من المساعدات الإنسانية عبر مسار الأبيض ـ هجليج ـ بانتيو… وقال مفوض العون الإنساني بشمال كردفان وعضو اللجنة الولائية لتوصيل المساعدات أحمد بابكر الحسن، إن الدفعة الأولى من الإغاثة بلغت 1200 طن.. موضحا أن اللجنة العليا لتوصيل المساعدات وضعت عدداً من الخطط والبرامج التي تساهم في إيصالها الى بانتيو.
وأكد الحسن أن هناك خطة تم وضعها من قبل اللجنة العليا لتسيير ألفي طن أسبوعيا الى منطقة بانتيو، منوها إلى أن وعورة الطرق تعرقل وصول المساعدات.. وقال المنسق العام لهيئة مقررية اللجنة العليا لاغاثة شعب الجنوب: وصلت دولة الجنوب قافلتان بالاضافة الى اكثر من 8 قوافل وصلت ولاية النيل الابيض للمرور عبر طريق اعالي النيل، معلناً عن تحرك قافلة ولاية القضارف اليوم وتحتوي على اكثر من 6000 جوال، بالاضافة الى قافلة منظمة الدعوة الاسلامية التي تحتوي على 15 الف طن وتسلك الطريق الجوي، وكشف سالم عن استعدادهم للنفرة الكبري التي ستعقد في قاعة الصداقة بتشريف رئيس الجمهورية الاسبوع القادم…
منظمات المجتمع المدني…
كما للعديد من منظمات المجتمع المدني جهود في مساعدة شعب الجنوب حيث ظل برنامج الأغذية العالمي ينقل المساعدات الغذائية من خلال ممر يربط بين ولاية النيل الأبيض بالسودان وولاية أعالي النيل بجنوب السودان بفضل مذكرة تفاهم تم توقيعها بين حكومتي السودان وجنوب السودان في يوليو 2014، فقد نقل برنامج الأغذية العالمي من خلال هذا الممر ما يزيد عن 57.420 طنا متريا من السلع المتنوعة إلى جنوب السودان… وقال مقرر اللجنة العليا للعون الإنسانى أحمد محمد آدم، إن قضية المجاعة بجنوب السودان تجد اهتماماً متعاظماً وأولية قصوى من الحكومة السودانية على أعلى مستوياتها، ومن قطاعات المجتمع كافة، اعتباراً للعلاقات التاريخية الوثيقة مع شعب جنوب السودان، وقياماً بواجب الأخوة والجوار، واستجابة للواجب الدينى والإنساني… مشيراً إلى حشد جهود المجتمع بكافة قطاعاته من خلال تشكيل لجنة قومية برئاسة المشير عبد الرحمن سوار الذهب لدعم المتأثرين بالمجاعة فى جنوب السودان، والتخفيف من معاناتهم، ومعالجة الأوضاع الإنسانية المتردية.
التزام دبلوماسي
من جانبها أكدت وزارة الخارجية أن الدعم والمساعدات الإنسانية التي يتم توفيرها من السودان ومنظمات العون الإنساني ستجد طريقها إلى جنوب السودان بعد أن قامت الخرطوم بفتح الممرات لدخول المساعدات الإنسانية عبر الحدود… وقال وزير الدولة بالخارجية كمال إسماعيل إن السودان يتعامل بحكمة في علاقاته الخارجية خاصة مع دول الجوار باعتبار أن له مصالح مشتركة مع الدول الحدودية… داعياً للتنسيق والتكامل بين البلدين خدمة لمصالح الشعبين، وأشار إلى أن السودان قدم عدداً من القوافل لإغاثة شعب الجنوب الفترة السابقة.
توفير المواد الضرورية...
كما قام السودان بفتح حدوده لاستقبال النازحين والفارين وعدم التشدد في تطبيق الاجراءات الهجرية بسبب الظرف الانساني القاسي الذي يواجهه المواطنون الجنوبيون القادمون الى الشمال..
وأوضح المهندس حمد الجزولي معتمد اللاجئين أن المعتمدية قامت بحصر وتسجيل «158» ألفا من مواطني جنوب السودان بولاية الخرطوم ومنحهم بطاقات لجوء وفق لجنة مشتركة بين المعتمدية والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين وإدارة السجل المدني … ويقول الجزولي انه فور القرار القاضي بمعاملة الجنوبيين كلاجئين بدأت الجهات المختصة في حصرهم ، والآن بصدد إكمال تسجيل الأعداد المتبقية منهم بالخرطوم ومنحهم بطاقات بغرض توفير المواد الضرورية لهم ، وأكد الجزولي أنهم بصدد تحسين الخدمات الضرورية للمناطق المستضيفة واللاجئين بالولايات… فيما أضاف الطيب محمد عبد الله رئيس اللجنة التنسيقية لشؤون اللاجئين بولاية النيل الأبيض أن الولاية استقبلت خلال الفترة الماضية أكثر من «2,400» لاجئ جنوبي ،بالاضافة الى انه تم حصر العشرات من العالقين بالمعابر الحدودية ، وأن اللجنة رصدت عشرات الأسر في معبر الكويك في طريقها لمحلية السلام، وأنهم يتوقعون تدفقات جديدة خلال الشهر الجاري، ولفت إلى أن نقاط الانتظار بمحليات السلام والجبلين لا تستطيع استيعاب أي تدفقات جديدة، ويقول عبد الله: هناك مشاورات لتكوين نقاط انتظار جديدة في غضون الفترة المقبلة.
خلط اوراق الحرب..
لم يهنأ الجنوب بالسلام طويلا بعد انفصاله عام 2011 عن السودان، فقد دخلت البلاد بعد عامين حربا أهلية خلطت الأوراق وهددت السلم الاجتماعي، وطرحت أسئلة عديدة بشأن قدرة الدولة الوليدة على مواجهة التحديات المطروحة، وعلى رأسها أسس بناء الدولة ودور القبيلة في المشهد السياسي… فعلاقة الود التي جمعت بين رفقاء الدرب انتهت بعد عامين من إجراء استفتاء تقرير المصير وانتهت معها مرحلة من الاستقرار الهش بجنوب السودان، وبدأت في المقابل مرحلة جديدة من اللا استقرار وتضارب المصالح… الا ان السودان رغم توتر العلاقة احياناً كثيرة بفعل ايواء دولة الجنوب للحركات المتمردة على الحكومة الا ان التفاعل الحكومي والشعبي لما يعيشه مواطن دولة الجنوب لم تتوان الجهات الرسمية والشعبية في القيام بدورها الانساني تجاه شعب الجنوب.