عبد الله جلاب وجمهورية الإسلامويين (4-6)

423نواصل في هذا الجزء من السلسلة إستعراضنا لكتاب جمهورية الإسلامويين الأولى: تطور وتحلل الإسلاموية في السودان: The First Islamist Republic: Development and Disintegration of Islamism in the Sudan للدكتور عبدالله جلاب أستاذ الدراسات الإفريقية في جامعة ولاية أريزونا الأمريكية حيث نقف على بعض الأفكار والخلاصات التي أنتهى اليها المؤلف في إطار عرضه وتحليله لظهور وتطورالحركة الإسلاموية في السودان منذ نشأتها الأولى وحتى وصولها للحكم عن طريق إنقلاب 1989.

(1)
أما المجموعة الثانية فهي مجموعة الجمهوريين التي أنشأها محمود محمد طه في العام 1945، وقد ظهرت تلك الحركة كإتجاه مناوئ للإستعمار ومناهض للطائفية في ذات الوقت. لقد تميزت الحركة الجمهورية عن الحركات الإسلاموية الأخرى بمرجعيتها المبتكرة التي تقوم، بحسب المؤلف، على بناء مستقبل إسلاموي ( ينسخ ما يرى ويبقي ما يود ويستنسخ ما يريد) أن يبني عليه مشروعه الفكري والسياسي في إطار تطويرى يجافي إطار الشريعة القائمة وآيات «الفروع» المدنية و يجد نفسه في آيات «الأصول» المكية، من أجل تطوير الشريعة والإرتقاء بالإنسان المسلم من مستوى الوصاية إلى مستويات المسؤولية والحرية.
والحال كذلك فإن الفكرة الجمهورية انما تقوم علي قواعد مخالفة تماما للنهج الذي تقوم عليه العمد الأساسية للافكار السياسية الإسلاموية والوهابية والصوفية ومدارس العلماء في أشكالها المتعددة. و من تدابير الاقدار التي تدعو للتأمل ان جماعة حركة التحرير الإسلامي التي كانت قد قصدت محمود محمد طه في مرحلة مبكرة وعرضت عليه ان يتزعم حركتها قد عادت بعد ذلك لتعمل بضراوة لمناهضته واخراس دعوته إلي أن وصلت بالأمر، بالتضامن أو بالتآمر مع غيرها، إلى نهايته المأساوية.
(2)
أما المجموعة الثالثة فهي مجموعة حركة التحرير الإسلامي التي تزعمها بابكر كرار الذي يعتقد المؤلف بأنه الأب الروحي للدكتور حسن الترابي، إذ أن الكثير من الأفكار الحداثية في مجالات المرأة والفنون وإستقلالية الحركة الإسلامية السودانية والعدالة الإجتماعية تعود في أصولها بشكل أو بآخر إلى عقل بابكر كرار.
وبابكر شخصية سودانية لم تجد حظها من الدرس والإهتمام من قبل الدارسين الأكاديميين أو الإسلامويين أو من جمهور المهتمين بدراسة الحركات الإسلاموية بشكل عام. (وقد عرف بابكر كرار منذ نعومة اظافره السياسية بشخصيته الفذة ومهاراته القيادية، وكانت رؤيته للعمل الاسلامي متميزة و مختلفة عن رؤي جميع من نافسوه علي موقع القيادة. وقد اشتهر كرار بأنه كان الاكثر حرصا من سواه علي سودانية الحركة والاكثر استصحابا لتراث السودان الاسلامي و في مقدمته تجربة الثورة والدولة المهدية، كما كان من اوائل الاصوات الداعية للاشتراكية الاسلامية.)
لذلك فقد كان التيار الذي وقف خلف بابكر كرار في أوساط الإسلامويين هو التيار الذي يمكن أن يوصف بالتيار «الثوري» الذي وجد ضالته بعد ذلك في قيادة حسن الترابي، وذلك في مقابل المحافظين الذين استمسكوا بمرجعية حركة الإخوان المسلمين الأم وقيادتها المتمثلة في شخص الصادق عبدالله عبدالماجد. و قد قاد بابكر كرار ذلك القطاع، تحت مسمي حركة التحرير الاسلامي دون منازع حتى العام 1954 حيث تدافع الي رحاب الحركة عدد من اعضاء كيان الإخوان المسلمين القادمين من جماعة علي طالب الله المنهارة وتنظيم اخوان مصر وعلى رأسهم محمد خيرعبدالقادر الذي نُصب أميناً عاماً للحركة بعد توحيدها تحت مسمى «الإخوان المسلمين».
(3)
ومعلوم ان الحركة قد شهدت سلسلة من المنازعات والمنازلات حول القيادة امتدت حتى العام 1964، و هو العام الذي شهد مخاض التحولات الكبرى على المسرح السياسي القومي العام ثم على المستوى الحركي الاسلاموي الخاص، فقد قدمت ثورة أكتوبر لزعامة الحركة جيلاً جديدأ من المتعلمين من خريجي جامعة الخرطوم وبعض مؤسسات التعليم العالي الغربي على رأسهم الدكتور حسن الترابي. وقد ظل حسن الترابي في سدة القيادة منذ ذلك الوقت دون منازعة تذكر حتى العام 1999 حيث أودى بزعامته ذات الإنقلاب العسكري الذي كان قد نظمه بنفسه لينقل به الحركة من رباط المعارضة إلى بلاط السلطة، بعد أن علّم الذين إنقلبوا عليه « لبس الشال و إستعمال الجوال» كما يقول تلاميذه ومريدوه!
(4)
يفرد المؤلف في كتابه حيزاً كبيراً لثورة أكتوبر1964 والفترة التي تلتها مباشرة بإعتبارها واحدة من أهم الحقب في تاريخ السودان المعاصر او بالاحرى المُعاش، وقد حملت تلك الحقبة في تضاعيفها تغييرات و تداعيات كبرى كان لها اكبر الاثر في الواقع السياسي و الاجتماعي و الثقافي. لم تكن اكتوبرتمثل تغييرا مجردا في اسلوب وشكل الحكم من ادارة عسكرية الى نظام مدني بل كانت مدخلا رحيبا للمشروع السياسي السوداني وآفاق مقاصده في شمولها وإتساعها. ومن ذلك انها عرفت الامة على بعض مكامن قوتها ممثلة في سلطة المجتمع المدني الحديث وبيئة ذلك المجتمع التي تسودها وتحكمها ثقافة الثقة والاحترام والفاعلية الاخلاقية التي تقود المجتمع إلى الإهتمام ببعضه بعضا ومن ثم الإهتمام بالأمة جمعاء وغير ذلك من القيم التي بسطتها روح اكتوبر.
ويذهب المؤلف الى القول إن الأمة مجتمعة سجلت موقفاً اخلاقيا رفيعاً، مستندة الي تراث اكتوبر و قيمه العدالية، في الدفاع عن حق الإخوة في الوطن في أن يختاروا لأنفسهم كيفية إدارة شأنهم العام وحق المواطن في أن يختار إنتماءه وتوجهه السياسي، وفي تكريس النهج الديمقراطي اطارا للحوار الوطني و ادارة الصراع حول صياغة مشروع بناء الامة. و قد قدمت أكتوبر رعيلاً جديداً من السياسيين على رأسهم الصادق المهدي وحسن الترابي و عبد الخالق محجوب ومحمد عثمان الميرغني وأبيل ألير وكلمنت أمبورو ووليم دينق وأحمد إبراهيم دريج و فاطمة أحمد إبراهيم و صفوف اخرى متراصة من السياسيين و قادة المجتمع المدني. إضافة إلى كل ذلك فقد أكدت اكتوبر مشروعية وجود الأحزاب كلها بما فيها تلك التي منعت ذات يوم بقوانين محاربة الانشطة الهدامة.
كما أعطت بعض المشروعية للتصريح والمجاهرة بوجود فصائل ثورية في القوات المسلحة يمكن أن تتدخل في الحياة السياسية عن طريق الإنقلاب العسكري الذي كانت العديد من الدول النامية قد تعرفت على دروبه و شعابه. و هو ما اطلق عليه السيد الصادق المهدي عند لقاء المؤلف به (فيروس الإنقلاب العسكري)، وهو الفيروس الذي حول الجيش الى واحدة من قنوات التغييرالسياسي الذي تسلل منه الى سدة السلطة العقيد جعفر نميري و العميد عمر البشير وغيرهما من العسكرين.
(4)
وسوف نستعرض بإذن الله في الحلقة الخامسة من هذه السلسلة، الثلاثاء القادمة، ما يصفه المؤلف بالتحولات الكبرى في الحركة الإسلامية والتي تمخض عنها الإنقلاب والنظام الذي عرف ب (الإنقاذ)، ومن ثم الإنقسام الذي قاد الى إنهيار الجمهورية الأولى.