«حريز الحماداب بشمال كردفان» … أرض المعمرين ..!! «2 – 2»الموت يغيب موسى ود زايد أكبر معمر في العالم عن عمر يناهز «140» عاماً …

المعمر موسى ود زايد : أتحداكم أي حاجة ولا نظري 100% .. جيبوا الإبرة ..!!

حريز الحماداب  : ابراهيم عربي

ALSAHAFA17-4-2017-22 ALSAHAFA17-4-2017-21

عن عمر ناهز «140» عاما تزامن معه وفاة الجاويش عوض إدريس اقدم محارب عن عمر يناهز «106» اعوام بام درمان ويقال انه قتل ضابطاً إنجليزياً في ليبيا دفاعاً عن شرف فتاة ليبيّة فكرّمته إنجلترا حينها . تعود معرفتي بالمعمر الي رحلة طويلة وشاقة في اكتوبر 2015 للبحث عن المعمر موسى ود زايد رحلة امتدت «150» كيلو متر تقريبا ، شددت فيها الرحال من الابيض شمالا الي بارا «60» كيلومتر ومنها شمالا عبر طرق ترابية وعرة الي منطقة «حريز الحماداب» في محلية جبرة الشيخ حيث يسكن المعمر موسى ود زايد .
السودان بلد حبلي بالمفاجآت وهي بالطبع خارج اهتمامات الموسوعة ذائعة الصيت «غنيس» وذلك في وقت لازالت المفاجآت تتري لتحطيم الموسوعة للارقام القياسية وبينما كانت الوسائط المختلفة تتداول العديد من الأسماء هنا و هناك ، تبرز منطقة «حريز الحماداب» التي تقع في محلية جبرة الشيخ في ولاية شمال كردفان ، وهي إحدي المناطق التي حباها الله بثلاثة من المعمرين احدهم غيبه الموت الثلاثاء الماضي وهو موسى ود زايد ود عايد الذي رحل عن عمر يناهز «140» عاما وتبدو علي هيئته مظاهر الصحابة رجل فارع الطول اذ يتجاوز «2» متر وكانت حالته الصحية جيدة فضلا عن سمع مرهف وبصر «6/6» تحدانا به وقد فاجأنا بقدرة ابصاره.

رجل بصحة جيدة .. ضخم الجسد وطويل القامة …
وصلنا حريز الحماداب ونحن اكثر لهفة واستعجالا للقاء المعمر .. كان ينتابنا احساس غريب كنا نقطع الطريق امام مرافقينا متسائلين اين المعمر موسى ودزايد ؟ كان ذلك سؤالنا باستمرار للاخوين اللذين ساعدانا حسن وعكاشة من ابناء القرية التي وصلناها منتصف النهار ، كنا نتخطي البيوت والتي قوامها القش الي ان دخلنا فجأة قطية أمامها راكوبة لا تختلف عن سائر قطاطي المنطقة فوجدنا موسى ود زايد جالسا ومهيأ لاستقبالنا .. فتملكتنا الدهشة… اذ لا يبدو المعمر موسى ود زايد علي ذات الهيئة التي تخيلناها، إذ عادة ما تلحق بالجسم في مثل هذا العمر بعض المتغيرات كتقوس الظهر وصغر حجم الجسم و«تكرمش الجلد» كلما تقدم في العمر ، ولكن مع المعمر موسى ود زايد كان الأمر مختلفا تماما انها قصة رجل يتمتع بصحة جيدة ضخم الجسد «مانع» وطول يتجاوز المترين يذكرنا بما قرأناه عن حال وهيئة الصحابة وتكوين الانسان حيث يقال ان ابانا ادم كان طوله «36» مترا وسيدنا نوح لبث في قومه «950» عاما فقط لدعوة «لا اله الا الله» هكذا تناقصت البشرية طولا وعمرا حتي وصلنا لما نحن فيه الان وقد توفي رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم عن عمر «63» عاما اما حكاية المعمر موسى ود زايد فالامر مختلف ..
انا بس منتظر الراجل .. «الموت» !
احترنا مع ود زايد من اين نبدأ الحديث ؟ إذ التعامل مع شخص في مثل هذا العمر عادة يحتاج لتركيز ولمهارات خاصة لتنشيط الذاكرة سيما مع شخص يعيش في منطقة ريفية ظلت مهملة ولم يغادرها بعيدا طول حياته .. حاولنا أن نخرجه من قطيته لدواعي التصوير ولكنه رفض قاطعا بأنه سيمرض! رغم أن الاجواء معتدلة ،حاولنا ان ننهضه واقفا علي رجليه ولكنه أيضا اعتذر بسبب «تعقل» رجليه مؤخرا ويبدو لنا اننا وصلناه في وقت بدأت فيه صحة الرجل في العد التنازلي.
ودزايد فاجأنا بدون مقدمات استهل الحديث قائلا … انا خلاص «ودرت » فبادلته الحديث مطمئنا له ما شاء الله انت بخير وربنا يزيدك ويقويك …!! تقبلها بصدر رحب قائلا الحمد لله بس راجي الراجل ! فبادرته بالسؤال الراجل منو يا جدي؟ رد قائلا بلا تردد الراجل الضكر يعني الموت ! فهمهمت سرا وجهرت بها جهرا …حقا الموت راجل وليس ذلك فحسب بل راجل ضكر
حضرت المهدية وانا سميح «درفوني» ولكنها كعبة ..!
سألناه حضرت المهدية ؟
فقال نعم …
كنت قدر شنو؟
قال كنت سميح «درفوني»! يعني عمر«5 – 7» سنوات يعني ذلك أن المعمر موسى ود زايد مولود في العام 1876م ولكن كيف يمكننا ان نتحقق من ذلك ؟…
فبادرته مع زميلي الجيلي بعدد من الأسئلة المتتابعة تذكر من المهدية شنو ؟…
رد قائلا المهدية كعبة ! …
فعاجلناه بسؤال كعبة مالها ياجدي موسى؟ …
يمكن تقصد الاتراك! …
فرد قائلا وباصرار ..لا لا .. المهدية ذاتها! فزاد قائلا .. كانو بسرقوا الاولاد وببيعوهم عبيدا للتجار وانا نجوت منهم اكثر من مرة …
في الحقيقة المعمر ود زايد اربك حساباتنا مع زميلي الجيلي والآخرين المرافقين وكل المهتمين بالتاريخ من العامة ذلك اننا نعتز ونفتخر بالمهدية ونحفظ عنها انها الثورة السودانية الاصيلة والتي حررت السودان وحملت لواء الاسلام .. ! الا ان علامات استفاهماتنا قد لا تبدو في مكانها بعد توضيحات الاستاذ النور محمد عكاشا والذي يحفظ له الكثيرون علمه واطلاعه رغم فقده لبصره كبيرا وحديثا وهو ايضا شاعر غنائي وله العديد القصائد التي فازت بعدة منافسات بالولاية، فقال استاذنا النور الامر ليس كذلك! بل بسبب التنافس السياسي بالمنطقة بين الاحزاب وبعض الشخصيات والتي جعلت سمعة المهدية سيئة تزامنا مع مرحلة «التكويش والتجييش» فترسخت مفهوما سيئا هكذا في ذهن ود زايد …
جدي موسى بتعرف امنة بت حسن؟ امنة بت حسن الواحدة دي ! اكبر مني وشالتني في صفحتها ….!
والناظر علي التوم ! ربنا يرحمو …؟! حضرتو وانا راجل وكان راجلا بمعني الكلمة …وكنا ننهض ونجو راجعين وكان زمان الدنيا بخيرها والفروسية ليها رجالها وكنا نجلب ليه عودو من مال نهضتنا .
وصالح جلطة؟
اي .. راجل «ضكر» كان عمدة في جبرا وراجلا شهم …! ربنا يرحمو …!
سألناه جدي موسى انت مولود وين؟ فرد قائلا أنا مولود تحت شجرة كانت هنا من اللالوب يشير للمكان بالقرب من القطية ! يبدو انها قد تأثرت بالزمن فشاخت وسقطت … وزاد قائلا لو مت ايضا يدفنوني هنا في ذات المكان الذي ولدت فيه …! فاصبحت تلك وصية.. فاين تم دفن جثمان المعمر المرحوم موسى ود زايد ؟!.
جدي موسى انت تزوجت كم امرأة؟! يبدو ان المعمر موسى ود زايد من انصار المرأة الواحدة فرد قائلا واحدة !وجابت لي «13» بطن!
ماشاء الله تبارك الله …
لازال حديثنا متواصلا مع المعمر موسى ود زايد للتأكد … جدي موسى انت قلت اتزوجت كم امرأة ؟
اقول ليك واحدة ..!! ولازالت في عصمتي وهي ياها ويربت علي كتفها قائلا هذه هي مريم بت جاد المولى … وتبدو تصغره كثيرا … ليضيف المعمر قائلا .. تزوجتها وانا راجل كبير قدر أبوها … وجابت لي «13» منهم «3» من الابناء اكبرهم أحمد في السعودية وخريف وزايد بالمنطقة هنا و«6» من البنات ومنهم الشاعرة بت موسى ود زايد والتي أنشدت في أبوها شعرا يدل علي فروسيته وقوته وشهامته ، فضلا عن «4» من الأطفال ماتوا في المهد …!
جدي بتعرف احفادك؟
اي نعم وبنسألهم وهم كثر والحمد لله حلتنا دي كلها اولادي …
ما عندك اخوان ولا اخوات ؟
لدي فقط أخت واحدة بنت أبوي زهراء بت زايد امها من الابيض وهي موجودة معنا الآن ..
هل زوجتك بت عمك وكيف تم زواجكما؟
لا لا .. مريم من الجوامعة السريحات وانا من الدواليب … ولزواجنا قصة عجيبة … كنت ساعتها بشرب «المريسة» بلحيل وكانت ثقافة المنطقة … بعض اصحابي محمد أحمد العليقي واخرين «دوروها» لي وهي عمرها «18» سنة وانا راجل كبير … وقالوا لي نحن عقدنا ليك …!! قلت ليهم عقدتو عديل كدي ؟ قالوا نعم !فقلت ليهم خير خلونا نمشي «نجيهها» نسوي الواجب … مشيت جبت ليها المهر وكانت حاجات بسيطة والحمد لله … ولكن العلاقة بيننا ساءت منذ البداية فطلقتها …لكن امها نادتني وجاءت ببعض شيوخ القرآن رجعوها لي وكتبوا لينا «محاية» آيات من القرآن الكريم ورشوني بيها في وجهي … فشعرت اني فقت من صدمة … الحمد لله منذ تلك اللحظات لم تحصل بيننا اي مشكلة حتي الآن وهي علي قيد الحياة .. وهذه هي ..
عندك اخوان ؟!
لا لا … ولكن عندي اخوات بنات ابوي واصغر مني بكثير ومعي الآن زهراء بت زايد …
من هم اصحابك او اندادك ؟!
اصحابي واندادي كثر منهم محمد أحمد العليقي وام عنقرة بت سعيد واخرون ربنا يرحمهم اصبحوا مجرد تاريخ وذكري …
كنت بتأكل شنو في شبابك ؟!
داك زمن العز …تاني ما بمر .. ولبن الابل وباكل لحم الابل والصيد ! وأي حيوان في الخلا حلال قتلتو واكلتو … خاصة لما سويت البندقية خلاص بقت لي رزق وحماية من كل حاجة …وكانت المنطقة مليانة حيوانات مفترسة .
كدي ورينا واحدة من حكاياتك مع الصيد ؟!
لي قصة عجيبة خاصة مع النمر وكان مرة ربط لي الطريق واشتبكنا «راجل ود راجل» وافترقنا ولكن اول ما سويت البندقية خلاص اصبح النمر ذاتو بخاف مني وترك لي الطريق ذاتو وزاغ … في البداية كانت عندي هذه الحربة «كبساوية» حربة كبيرة وذات عود طويل يتجاوز المترين …
سكت مالك تتذكر شنو؟
فرد قائلا مرة جاتنا «هبوب» ثقيلة يقصد رياح عاصفة «نشت» بعض بقرنا جنوبا وذهبت في دربهن الي الابيض وهذه هي المرة الوحيدة التي شفت فيها الأبيض … ولم اجد الابقار واخيرا وجدت بعض الناس جمعوها مع ابقارهم وحاولتهم ولكنهم هددوني قالوا لي امشي ساكت بلا بقر معاك قاومتهم وهم أربعة خافوا مني وسلموني بقري …
انت قايلني انا عميان ! …
المفاجأة …!
ما ان أخرجت القلم من جيبي وقلت له ياجدي موسى شايف دا؟
باغتني قائلا وضرب القلم من يدي … وصاح قائلا انت قايلني انا عميان ! اي حاجة ولا تغالطني في نظري دا … !
لا يا جدي موسى انا قصدي اشوف نظرك كويس ولا …
صاح قائلا يا اولاد جيبوا الإبرة والخيط … !
حكاية تحير المعمر ود زايد فاجأنا واذهلنا أدخل الخيط في خرم الإبرة بلا اي تعب رغم ظلمة القطية …! قلت له لا لا .. دي بالصدفة ! أخذت الإبرة والخيط منو ورجعتها له ثانيا فادخلها للمرة الثانية والثالثة وبدون عنت او مشقة بينما فشلنا نحن .. فلم نجد الا أن نحييه ونصفق له جميعا …نجح المعمر ود زايد وفشلنا نحن جيل الشباب …
انا شلت ود زايد في صفحتي دي! …
ذهبنا نبحث في الجانب الاخر عن امنة بت حسن فجاءتنا تتوكأ علي عصاية وتساعدها احدي حفيداتها .. المعمرة بت حسن من العركيين وتبدو قصيرة جدا وذات صوت جهور بنغمة مميزة يبدو انها كانت حكامة وفعلا كما روت كانت حكامة يتسابق بين يديها الفرسان … بينما يبدو أن سمعها وبصرها أقل من سمع وبصر المعمر ود زايد …
حبوبة امنة انت مولودة متين؟
انا كبيرة …!
سألناها الأكبر منو انتي ولا ود زايد …؟
لا لا انا الكبيرة وشلت ودزايد في صفحتي دي وهو عمرو اقل من سنة وانا عمري كان «6» سنوات …
حبوبة امنة بتعرفي الاتراك …؟ صححتنا قائلة «الترك» .. قلنا ايوة ..
فردت متسائلة الترك الاول ولا الثاني؟ لتزيد انا بعرف ناس كريج وناس ريد شاهدتهم ونساوينهم بعيوني ديل … وعادت مجددا لتجزم بانها شاهدت الاتراك ومعهم بعض نسوانهم وذهبت تعدد الحكومات المتعاقبة وأيضا تجاوزت حكومتي الصادق المهدي …! ربما هنالك مشكلة لم نستطع ان نكتشف سرها إلا ان بت حسن واسرتها من انصار الختمية انصار السيد علي الميرغني …! والمشكلة الكبري ان بت حسن لم تغادر المنطقة اطلاقا شأنها شأن الكثيرين من أهل المنطقة …
ولكن مع الاسف الشديد ان أسرة ود زايد تعيش في أمية تامة و التعليم ليس من أولوياتهم كما الكثيرون من أهالي المنطقة
غادرنا حريز الحماداب ولازال هنالك الكثير الذي يتطلب الوقوف عنده واخيرا غيب الموت المعمر موسى ود زايد عن عمر ناهز «140» عاما تغمده الله بواسع رحمته واكرمه بالجنة والهم اله وذويه الصبر .